كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 16)
"""""" صفحة رقم 169 """"""
حال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في ذم الأوثا وعيبها ما عرف منه . وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو هذا وقال : أن المسلمين لم يسمعوها وانما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم . قال القاضي عياض : ويكون ما روى من حزن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لهذه الإشاعة والشبهة ، وقد قال الله تعالى : " وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبيٍّ إلاّ إذَا تَمَنَّى ألْقىَ الشَّيْطَا في أمْنِيّتهِ " الآية ، فمعنى تمنى تلأن قال الله تعالى : " لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلاّ أماني " أي تلاوةً ، وقوله : " فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقي الشَّيْطان " أي يذهبه ويزيل اللبس به ، ويحكم آياته ، قال : ومما يظهر في تأويله أيض ان امجاهداً روى هذه القصة : والغرانقة العلا . فا سلمنا القصة قلنا : لا يبعداهذا كان قرانا والمراد بالغرانقة العلأن وا شفاعتهن لترتجى : الملائكة على هذه الرواية ، وبهذا فسر الكلبي الغارنقة انها الملائكة ، وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الأوثان والملائكة بنات الله ، كما حكى الله عنهم ورد عليهم في هذه السورة بقوله : " أَلَكُم الذّكَرُ وَلَه الأنثَى " ، فانكر الله كل هذا من قولهم ؛ ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح ، فلما تأوله المشركون على ان المراد بهذا الذكر آلهتهم ، ولبس عليهم الشيطا ذلك ، وزينه في قلوبهم ، وألقاه إليهم ؛ نسخ الله ما القى الشيطا وأحكم آياته ، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطا بهما للتلبيس سبيلأن كما نسخ كثيراً من القرا ورفعت تلاوته . قال : وكا في انزال الله تعالى لذلك حكمة ، وفي نسخه حكمة ، ليضل به من يشاء ، ويهدي من يشاء وما يضل به إلا الفاسقين ، وَ " لَيْجَعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَا فِتْنَةً لِلّذينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وا الظَّالِمينَ لَفي شِقَاقٍ بَعِيدٍ . ولِيَعْلَمَ الّذيِن أُوتُوا الْعِلْمَ انه الْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ " .
وقيل : ان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى ذكر اللات والعزى ، ومناة الثالثة الأخرى ، خاف الكفارايأتي بشيء من ذمها فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين ؛ ليخلطوا تلاوة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ويشغبوا عليه على عادتهم ، وقولهم : لا تسمعوا لهذا القرا وألغوا فيه لعلكم تغلبون ، ونسب هذا الفعل إلى الشيطا لحمله لهم عليه ، وأشاعوا ذلك وأذاعوه ، وا النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حزن لذلك من كذبهم وافترائهم