كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 16)
"""""" صفحة رقم 211 """"""
المبصرون . قال : وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا استحالتها وحيث تتطرق التأويلات وتتسلط الاحتمالات ، فليس للقطع سبيل ، وكذلك وجوب الرؤية لنبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ، والقول بانه رآه بعينه . فليس فيه قاطع أيضاً ولا نص ، إذ المعول فيه على آيتي النجم ، والتنازع فيهما مأثور ، والاحتمال لهما ممكن ، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بذلك . والله تعالى أعلم بالصواب . وأما المناجاة والكلام والقرب والدنو وما جاء من الكلام على مشكل هذا الحديث ؛ فقد اختلف في الوحي إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة الإسراء بقوله : " فَأوْحَى إلى عَبْدِهِ مَا أوْحَى " ، وهل كان ذلك الوحي بواسطة أو بغير واسطة ؟ فأكثر المفسرين على ان الموحي الله إلى جبريل ، وجبريل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) . فذكر عن جعفر بن محمد الصادق ، قال : أوحى الله إليه بلا واسطة . ونحوه عن الواسطي ، وإليه ذهب بعض المتكلمين وحكوه عن ابن مسعود وابن عباس ، وانكره آخرون . وحكى النقاش عن ابن عباس عنه عيلان لسلام في قوله تعالى : " دَنَا فَتَدَلَّى " ، قال : فارقني جبريل ، وانقطعت الأصوات عني فسمعت كلام ربي ، وهو يقول : ليهدأ روعك يا محمد ، ادن ادن . وقد تقدم ذكر حديث الأذان ، وقول الملك : الله أكبر الله أكبر ، فقيل من وراء الحجاب : صدق عبدي ، انا أكبر ، انا أكبر .
وقد احتجوا بقوله تعالى : " وَمَا كان لِبَشَرٍايُكَلِّمَه اللهُ إلاَّ وَحْياً أوْ منْ وَرَاءِ حِجِابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإذْنِهِ مَا يَشَاءُ " ، فقالوا : هي ثلاثة أقسام ؛ من وراء حجاب كتكليم موسى ، وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء ، وأكثر أحوال نبينا ( صلى الله عليه وسلم ) ، الثالث قوله : وحياً . قالوا : ولم يبق من تقسيم صور الكلام إلا المشافهة مع المشاهدة ، قد قيل : الوحي هنا ما يلقيه في قلب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) دون واسطة ، وكلام الله تعالى لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ومن اختصه من انبيائه جائز غير ممتنع .
وأما قوله تعالى : " ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى . فكان قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى " فأكثر المفسرين ان الدنو والتدلي منقسم ما بين محمد وجبريل عليهما السلام ، أو مختص بأحدهما من الآخر ، أو من سدرة المنتهي . وقال ابن عباس : هو محمد دنا فتدلى من ربه . وقيل : معنى دنا قرب ، وتدلى : زاد في القرب ، وقيل : هما بمعنى واحد أي قرب . وحكى مكي والماوردي عن ابن عباس ، هو الرب دنا من محمد فتدلى إليه ، أي أمره وحكمه . وحكى النقاش عن الحسن ، قال : دنا من عبده محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقرب منه فأراه ما شاءايريه من قدرته وعظمته . قال وقال ابن عباس : هو مقدم ومؤخر ، تدلى الرفرف لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ليلة المعراج ، فجلس عليه ، ثم رفع