كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 16)

"""""" صفحة رقم 212 """"""
فدنا من ربه . وفي الصحيح عن انس بن مالك : عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهي ، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إليه بما شاء ، وأوحى إليه خمسين صلاة . الحديث . وعن محمد بن كعب : هو محمد دنا من ربه ، فكان قاب قوسين . وقال جعفر ابن محمد : أدناه ربه منه ، حتى كان منه كقاب قوسين ، قال جعفر : والدنو من الله لا حد له ، ومن العباد بالحدود . وقال أيضاً : انقطعت الكيفية عن الدنو ، ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه ، ودنا محمد إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيما فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه ، وزال عن قلبه الشك والأرتياب وقد تكلموا على مشكل هذا الحديث ، فقال القاضي عياض رحمه الله : اعلماما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله وإلى الله فليس بدنو مكا ولا قرب مدى ، بل كما ذكرنا عن جعفر الصادق ليس بدنو حد ، وانما دنو النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من ربه ، وقربه منه إبانة عظيم منزلته ، وتشريف رتبته ، وإشراق انوار معرفته ، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته ، ومن الله تعالى له مسرة وتانيس ، وبسط وإكرام ، ويتأول فيه ما يتأول في قوله : ينزل ربنا إلى سماء الدنيا على أحد الوجوه ، نزول إفضال وإجمال ، وقبول وإحسان . وقال الواسطي : من توهم انه بنفسه دنا جعل ثم مسافة ، بل كل ما دنا بنفسه من الحق تدلى بعدا يعني عن درك حقيقته ، إذ لا دنو للحق ولا بعد .
وقوله : " قَابَ قَوْسَيْنَ أوْ أدْنَى " ، فمن جعل الضمير عائداً إلى الله لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن نهاية القرب ، ولطف المحل ، وإيضاح المعرفة ، والإشراف على الحقيقة من محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعبارةً عن إجابة الرغبة ، وقضاء المطالب ، وإظهار التحفي ، وانافة المنزلة والمرتبة من الله له ، ويتأول فيه ما يتأول في قوله : من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ، قربٌ بالإجابة والقبول ، وإتيا بالإحسا وتعجيل المأمول .
وقد أخذ الكلام في هذا المعنى حقه ، فلنذكر ما كان بعد الإسراء من الأخبار .

الصفحة 212