كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 16)

"""""" صفحة رقم 233 """"""
كجنان الأردن ، وا لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ، ثم بعثتم من بعد موتكم ، فجعلت لكمن نار تحرقون فيها . قال : فخرج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأخذ حفنة من تراب في يده ، ثم قال : نعم انا أقول ذلك ، انت أحدهم ، وأخذ الله على أبصارهم فلا يرونه ، فجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات من سورة يس : " يَس . وَالْقُرا الْحَكِيم " . إلى قوله : " وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرونَ " .
ولم يبق منهم رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد ، فأتاهم آتٍ ممن لم يكن معهم ، فقال : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمدا قال : خيبكم الله ، قد والله خرج عليكم محمد ، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟ قال : فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ، ثم جعلوا ينظرون فيه فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فيقولون : واللهاهذا لمحمد نائما عليه برده . فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي عن الفراش ؛ فقالوا : والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا .
قال ابن إسحاق : فكان مما انزل من القرا في ذلك اليوم قوله تعالى : " وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَهُ وَاللَهُ خَيْرُ الْمَاكِريِن " وقوله تعالى : " أمْ يَقُولُونَ شِاعِرٌ نَتَربّصُ بِهِ رَيْبَ الْمنَوُنَ . قُلْ تَرَبّصُوا فَانى مَعَكُمْ مِن الْمُتَرَبِّصِين " .
ذكر ابتداء هجرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأبي بكر رضي الله عنه
قال محمد بن إسحاق : لما هاجر أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة ، أقام هو بمكة بعدهم ينتظر الإذن من الله تعالى في الهجرة ، ولم يتخلف معه بمكة إلا أبو بكر الصديق ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ومن حبس أو فتن . وكا أبو بكر يستأذن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الهجرة كثيرا فيقول له : لا تعجل لعل اللهايجعل لك صاحبا فيطمع أبو بكرايكون رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) انما يعني نفسه .
وروى عن عائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما انها قالت : كان لا يخطئ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )ايأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار إما بكرة وإما عشية ، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله تعالى فيه لرسوله في الهجرة والخروج من مكة أتانا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها . قالت : فلما رآه أبو بكر

الصفحة 233