كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 16)

"""""" صفحة رقم 245 """"""
ذكر ما أصاب المهاجرين من حمى المدينة ودعاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) لهم
روى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : لما قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى ، فأصاب أصحابه منها بلاءٌ وسقم ، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) . قالت : فكان أبو بكر رضي الله عنه ، وعامر بن فهيرة بولال ، مولياً أبي بكر مع أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم الحمى ، فدخلت عليهم أعودهم ، وذلك قبلايضرب علينا الحجاب وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك ، فدنوت من أبي بكر فقلت : كيف تجدك يا أبت ؟ فقال :
كلّ أمرئ مصبّح في أهله . . . والموت أدنى من شراك نعله
قالت : فقلت والله ما يدري أبي ما يقول ، ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة ، فقلت : كيف تجدك يا عامر ؟ فقال :
لقد وجدت الموت قبل ذوقه . . . ا الجبا حتفه من فوقه
كلّ أمرئ مجاهد بطوقه . . . كالثّور يحمى جلده بروقه
فقلت : والله ما يدري عامر ما يقول ؛ قالت : وكا بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ، ثم يرفع عقيرته فيقول :
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةً . . . بفجٍ وحولي إذخرٌ وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنّةٍ . . . وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل
قالت عائشة : فذكرت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما سمعت منهم ، فقلت : انهم ليهذون ، وما يعقلون من شدة الحمى . فقال : اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشد ، وبارك لنا في مدها وصاعها وانفل وباءها إلى مهيعة ؛ وهي الجحفة .

الصفحة 245