كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 16)

"""""" صفحة رقم 255 """"""
شاباً ولا يعلم في المنافقين شاب غيره ، فجعل يدفع في قفاه حتى أخرجه . وقام عبد الله ابن الحارث من بلخدرة رهط أبي سعيد الخدري إلى الحارث بن عمرو ، وكا ذا جمة ، فأخذ بجمته فسحبه بها سحباً عنيفاً على ما مر به من الأرض حتى أخرجه ، فقال له : لقد أغلظت يا بن الحارث ، فقال له : انك أهل لذلك - أي عدو الله - لما انزل فيك ، فلا تقربن مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فانك نجس . وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى أخيه زوى بن الحارث فأخرجه إخراجاً عنيفاوأفف منه ، وقال : غلب عليك الشيطا وأمره .
قال : فهؤلاء من حضر المسجد يومئذ من المنافقين ؛ وفي هؤلاء من المنافقين ، وفي أحبار يهود انزل الله تعالى صدر سورة البقرة إلى المائة منها ؛ والله أعلم .
فالذي منها مما يختص بالمنافقين قوله تعالى : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين " إلى قوله : " وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيانهِمْ يَعْمَهُونَ " . وقوله : " في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً " أي شك فزادهم الله شكا . وقوله : " وَإذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا في الأْرْضِ انمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ " لأنهم كانوا يقولون : انما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب . وقوله : " وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ " أي من تهود " قَالُوا انا مَعَكُمْ " أي على مثل ما أنتم عليه " انمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ " أي انما نستهزئ بالقوم ونلعب بهم . ثم ضرب الله لهم مثلاً فقال : " مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي استَوْقَدَ نَاراً " الآية ؛ أي يبصرون الحق ويقولون به ، حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفئوه بكفرهم ونفاقهم فيه ، فتركهم الله في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هدى ، ولا يستقيمون على حق . ثم قال تعالى : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ لاَ يَرْجِعُونَ " أي عن الخير ، لا يرجعون إلى هدى . وقوله : " أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أصَابِعَهُمْ في آذانهِمْ منَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ " الصيب : المطر . قال ابن إسحاق : أي هم من ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذر من القتل ، على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف لكم ، على مثل ما وصف ، من الذي هو في ظلمة الصيب ، يجعل أصابعه في أذنيه من الصواعق حذر الموت . " وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ " أي منزل ذلك بهم من النقمة . وقوله : " يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أبْصَارَهُمْ " أي لشدة ضوء الحق " كُلّمَا أضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإذَا أظْلَمَ عَلَيْهِم قَامَوا " أي يعرفون الحق

الصفحة 255