كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 16)

"""""" صفحة رقم 259 """"""
وتبديلهم ذلك ، إلى ما ذكره الله تعالى من أخبارهم مع موسى . ثم قال الله تعالى والخطاب لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ولمن معه من المؤمنين : " أفَتطْمَعُونَ أن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كان فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " قال الفريق الذي أخبر الله عنهم انهم كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعدما عقلوه ؛ وهم الذين قالوا لموسى ( صلى الله عليه وسلم ) : يا موسى ، قد حيل بيننا وبين رؤية ربنا فأسمعنا كلامه حين يكلمك ، فطلب موسى ذلك من ربه لهم ، فقال تعالى : مرهم فليتطهروا ويطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا ثم خرج بهم حتى أتى الطور ، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى فوقعوا سجوداً وكلمه ربه ، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم ، حتى عقلوا ما سمعوا ثم انصرف بهم موسى إلى بني إسرائيل ، فلما جاءهم حرف فريق ممن سمع ما أمرهم به ، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل : ان الله قد أمركم بكذا وكذا قال ذلك الفريق : انما قال كذا وكذا خلافاً لما قال الله تعالى لهم ، فهم الذين عنى الله تعالى . ثم قال : " وَإذَا لَقُوا الَّذيِنَ آمَنُوا قَالُوا آمَنّا " أي بصاحبكم رسول الله ، ولكنه إليكم خاصة . وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا : لا تحدثوا العرب بهذا فانكم قد كنتم تستفتحون به عليهم ، فانزل الله تعالى : " وإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنّا وإذَا خَلاَ بَعْضُهْم إلَى بَعْضٍ قَالُوا أتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أفَلاَ تَعْقِلُونَ " أي تقرون بانه نبي ، وهو يخبرهم انه النبي الذي كنا ننتظره وبحده في كتابنا احجدوه فلا تقروا لهم به ، قال الله تعالى : " أوَلاَ يَعْلَمُونَ ان اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ . وَمِنْهُمْ أمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكتَابَ إلاَّ أمانيَّ وَا هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ " أي إلا تلاوة ، والأمي هو الذي يقرأ ولا يكتب ، معناه انهم لا يعلمون الكتاب فلا يدرون ما فيه ، فهم يجحدون نبوتك بالظن . وقوله تعالى : " وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " قال ابن عباس رضي الله عنهما : قدم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) المدينة واليهود تقول : انما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ، وانما يعذب الله تعالى الناس في النار بكل ألف سنةٍ من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار من أيام الآخرة ، وانما هي سبعة أيام ، ثم ينقطع العذاب ، فانزل الله تعالى ذلك ، ثم قال : " بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأحَاطَتْ بِهِ خَطِئَتُهُ " أي من عمل مثل أعمالكم ، وكفر بمثل ما كفرتم به ، حتى يحيط كفره بما له من حسنة " فَأُولَئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " . ثم قال تعالى يذمهم : " وإذْ أخَذْنَا مِيثَاقَ بَني إسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إلاَّ اللهَ وَبالْوَالِدَينْ إحْساناً وّذِي الْقُرْبَى وَاليَتَاَمى وَالْمَسَاكِينَ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناَ وَأقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَانتُمْ مُعْرِضُونَ "

الصفحة 259