كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 7)
وروي عن علي بن الحسين رضي الله عنه: أنه لدغته عقرب، فصبر في ذلك الوجع ليلته إلى الصباح كاتماً له؛ لئلا يعلم به أحدٌ، فلما أصبح، أعتق رقبة؛ شكراً لله أن طوقه ذلك الصبر حتى قدر على كتمانه.
فالعبد الحي القلب إذا أنعم الله عليه نعمةً؛ نشرها عند خلقه قولاً وفعلاً، يريد بذلك أن يريهم حسن صنيعه إليه، وإذا نكب نكبةً، كتمها وسترها، ويقول: أنعم علي بما لا يحصى عدده، فلم أبلغ كنه شكره، فإن أصابتني مصيبة، لم أبثها وأكتمها؛ حتى لا أري العباد أنه أصابني من قبله سوء، فإنما حمله على كتمان المصائب، وعلى التجمل في الفاقة؛ لئلا يرى العباد من أحوال نفسه ما يتحير العباد فيه من سوء الحال؛ لأن الله تعالى -جل ذكره- معروف بالمعروف، فإذا رأوا سوءاً، تحيروا، حتى يرجعوا إلى إيمانهم به أنه عدلٌ لا يظلم، ولا يجور.
ولذلك استرجع أهل المصيبة؛ لأنهم عندما يصابون تأخذهم الحيرة في أول الصدمة، فإذا ذكروا ربهم، استرجعوا معنى قولهم: ((إنا لله وإنا إليه راجعون))؛ أي: رجعنا إليك من حيرتنا، وعلمنا أن ذلك لك، وأن فعلك هذا بنا خيرٌ كله.
قوله: ((تحرجاً من طمع)).
فالطمع: فيما في أيدي الخلق، وهو انقطاع عن الله، ومن انقطع عن الله، فهو المخذول الخائب؛ لأنه عبد بطنه، وفرجه، وشهوته.
والطمع والرجاء مقترنان، إلا أن الرجاء: صفة فعله من القلب: أن يمد القلب عنقه إلى شيء، فيكاد يزول عن مكانه، والطمع: وجود القلب طعم ذلك الشيء الذي رجاه؛ فهذه فتنة.