كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 7)

فالمؤمن الموقن قد صار هذا الضمان، والإثبات في الكتاب المبين الذي قصه الله في تنزيله له معاينةً، فاطمأن إلى ذلك، وسكن إلى إتيانه بفضل يقينه، وقنع بما أوتي، وقال: قد أيقنت بالمقدار، ولا أدري أبطلبي أوتى أم بقعودي، فمرة أطلب، فإذا رأى أنه قد أوتي بغير طلب، قعد، فإذا رأى أنه انقطع، طلب على هيئة وسكينة وسكون قلب على ما أثبت له في اللوح.
والذي ضعف يقينه، وغلبته شهوات نفسه، طلب، فجد في الطلب، ولم يصر له معاينة، فهو يطلب من وجوه المكاسب، فإذا طلب كسبه من حلال؛ فإنما منعه تقواه أن يتعدى ذلك إلى الحرام، وقواه ضمان ربه، وإثباته في اللوح، وأحسن الظن بربه، ووثق به؛ فقدر على كسب الحلال، والمفتون بنهمات الدنيا وشهواتها قد غلبته نفسه، فحرصه وشدة طلبه لا يفارقه، فلا يقدر على حفظ الحدود، والتورع عن الشبهة، فهذا من أجل أن أخلاق الفرقة مفقودة من إيمانه، فهو في الجملة يقول: إن الله يرزق، ولكن شهوته تغلبه حتى يفتتن، فيتعدى إلى الحرام والشبهة.
قوله: ((برًّا في استقامةٍ)).
فإن المؤمن إذا كان لين القلب، رقيق الفؤاد؛ عطف على الأهل والولد، وذوي الأرحام، والناس كلهم، فإذا بر، وكان بهذه الصفة، لم يؤمن أن يزول عن الحق والصواب، وتذهب استقامته، فإذا زال، ذهبت استقامته؛ لأن لكل مؤمن مقاماً عند ربه للعبودة، فتلك استقامته، فإذا مال عن الحق، صار معلقاً كالمتدلي، كهيئة طائر على غصن شجرة، فطار من عشه، فهو المستقيم، فإنما اشترط على البار أن يكون بره في استقامته، لا بر هوى، ولكن بر مع صلابة؛ لأن النفس إذا كانت سلسلة، والقلب ذا لين، والفؤاد

الصفحة 143