كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 7)
قال أبو عبد الله:
فأما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ابتشر ببشيره)).
فالبشرى: خبر عن الغيب، وذلك أن العبد في دار المحنة والبلوى متعرضٌ للنعمة والآفات، ممزوج بها، مسؤول عن الشكر عليها، ومقتضٍ الصبر على مزاجها من الآفات، وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يظهر له من غيب الله تعالى غداً.
فالخيرة كائنة للعبد؛ فأيد الله المؤمنين بخطابه وكلامه، فبشرهم، وإنما سمي بشراً؛ لأنه أنبأهم في هذا الخطاب عن خبر نفى حيرتهم، حتى قويت القلوب، واطمأنت النفوس؛ فإن النفس إذا اطمأنت، فقد تخلص القلب من وساوسها، وصار حراً، والحر قويٌّ مالكٌ، والعبد ضعيفٌ عاجز في رتبة، فإذا اطمأنت النفس، قوي القلب، انتشر السرور في الصدر، فإذا انتشر السرور؛ نضرت الوجوه، فتلك النضرة تورث البشر، وضد النضرة: الكسوف، وضد البشر: العبوس.
قال الله تعالى: {ولقاهم نضرةً وسروراً}، قال: نضرة في الوجوه، وسروراً في القلب.
فالسرور يفيض [على] القلب من الفرح الذي حل بالنفس، فالفرح في النفس، والسرور تولده في القلب، وسلطانه وانتشاره في الصدر، ثم يتأدى ذلك من مجمع العروق التي على القلب إلى العروق التي في الوجوه، فتشرب جلدة الوجه من ذلك؛ بمنزلة شجرة شربت عروقها من ماء في أصلها، فأدت عروقها إلى الأوراق، فنضرت، فيقال: أشجار