كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 7)
ناضرة كأن الماء يقطر من ورقها، وخضرتها تبرق بروقاً من نضرتها وطراوتها، فكذلك هذا يتأدى إلى الوجه، فينضر بشرة الوجه، وهو جلدتها، فإذا كان ذلك، علم أن في الباطن خبراً ساراً.
فقوله: ((ابتشر)) على قالب افتعل؛ أي: صار هذا البشر الذي ظهر على وجهه من ذاته؛ أي: عمل ذلك الكلام في قلبه وصدره، حتى اختلط بذاته، فاختلط بسمعه، وبصره، ومخه، وجميع جوارحه؛ فهذا لمن استمع قلبه إلى خطابه، فوعاه بأذني قلبه، فاستقر في قلبه علم ذلك، وورد العقل على قلبه ببهاء ذلك الخطاب، والفهم بمكنون لطائفه في ذلك الخطاب، والفطنة بكشف الغطاء عن صور تلك اللطائف، فطابت النفس لذلك، وازدهرت، وأينعت عن الذبول والخمول، فإذا كان بهذه الصفة؛ فقد ابتشر بالبشرى.
وأما قوله: ((وانتذر بنذيره)).
فكذلك أيضاً، وهو أن العبد قد شرهت نفسه من الفرح بأحوالها، وبسبب نمائها، ونضرت، فإذا جاءها الوعيد من الله تعالى، ذبلت، وسكن تلظي تلك الأفراح، وانقمعت، فتنغصت عليه حلاوة الأفراح، وتكدر عليه صفو النعم بما جاءه من الوعيد، فظهر في صدره من كدورة دخان الوعيد، ومرارة التنغيص، فتأدى ذلك إلى الوجه، فظهر على وجهه الكسوف، فأورثه العبوس، فتجد صاحب هذه الصفة مرة ذا بشر ونضرة، ومرة ذا عبوس وكسوف، فإذا وردت عليه البشرى؛ أقمر وجهه بتلك النضرة، فظهر البشر والكشر، وزال عنه الكسوف، فإذا ورد عليه الوعيد، انكسف القمر الذي بوجهه وانعبس، والعبوس يقبض أسارير الوجه والجبين،