كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 7)

والبشر انطلاق تلك الأسارير، وذلك قوله: {يوماً عبوساً قمطريراً}، وهو أن يتقلص الجبين، وتنقبض أسارير وجهه، فمن ابتشر ببشر الله، وانتذر بنذيره، فإنما يفعل ذلك بقلب عامر، ومحال إن وجد أحدهما عنده أن يفقد الآخر؛ لأن ذلك فعل القلب.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((وعمل بناسخه، وآمن بمنسوخه)).
فإن الناسخ آية قد أمر الله بالعمل بها، وقد كان قبل ذلك أمر العبد بغير ذلك في آية نزلت قبلها، فالناسخ ما قد جاء، فدفع الأول، وحل بمكانه، فهو ناسخ للأول، والأول منسوخ؛ أي: مدفوع عن مكانه، ولذلك سمي: نسخة الكتاب؛ لأنه يدفع عن الكتاب مثاله وصور الحروف.
فالناسخ والمنسوخ: بلوى من الله لعبده، أمره بالتوجه إلى الكعبة، ثم صرفه إلى بيت المقدس، ثم صرفه إلى الكعبة، لينظر أيعبد الله؟ أم يعبده في الظاهر، ويعبد هواه في الباطن؟.
ثم قال: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرةً إلا على الذين هدى الله}، وقال: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين}.
أي: حتى نعلم من يجاهد نفسه في ذاتي، ويصبر عما حرمت عليه، وعلى ما افترضت عليه، وعلى ما حكمت عليه من الأحوال المكروهة؛ مثل: الفقر، والذل، والبؤس، والمرض.
ثم قال مع هذا بعد مجاهدة النفس والصبر: {ونبلوا أخباركم}؛ أي: أنتم مني مع هذه المجاهدة والصبر أعلى طيب النفوس، أم على خبثها وترددها، والأركان صابرة؟ فإذا آمن بالمنسوخ، وعمل بالناسخ؛ فهذا عبد

الصفحة 175