كتاب نوادر الأصول - النسخة المسندة ط النوادر (اسم الجزء: 7)

لأن قلوبهم لا تحتمل ذلك، وعقولهم لا تهتدي لذلك، إنما يهتدي لذلك من وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن الله: أنه قال: ((ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ثم إنه يتقرب إلي بعد ذلك بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه وبصره، ويده، ورجله، ولسانه وفؤاده، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، وبي ينطق، وبي يعقل)).
فالمتشابه زينة المحكم؛ لأن المحكم في السورة، وفي المحكم لطائف، وتأديب، وتنبيه، ومعاريض، وندبة، وتشويق، وحداثة، فأجمل ذلك كله في مفتتح السورة؛ ليعلم أهله ما في حشو هذه السورة، وهو كالبشرى لهم، تبتهج [به] قلوبهم، وتتورد نفوسهم، وتزدهر وتينع ثمراتها.
فالعباد محتاجون إلى ذلك؛ لأنهم يسيرون إليه في مفازة جرداء؛ أعني: دنياهم، فزادهم فيها الأعمال بالجوارح، ويسيرون إليه بقلوبهم في بحر عميق مظلم، فقليل منهم يخلص من هذا البحر.
فالعامة قد غرقت فيه، وانكسرت سفائنهم، فمتعلق بحبل، ومتعلق بلوح منها، هذه أحوالهم في البحر، وأكثرهم غرقى هلكى أموات، فهم قتلى هذا البحر، وهم المشركون، والمنافقون، والموحدون قد تعلقوا بمثل ما وصفنا.
وأما القليل المتخلصون من هذا البحر، فهم الصديقون، جاهدوا نفوسهم في الله حق جهاده، حتى أمطروا، فأدركتهم رحمة الله تعالى حين

الصفحة 184