أما ما حكمت فيه الصحابة بشئ أو بعضهم وسكت الباقون، (ثبت ذلك) فيه، وصار مقدًرا به، لا يعدل عنه أبداً؛ لأن الله تعالي يقول: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] وعدالة الصحابة أكد من عدالتنا؛ لأنهم شاهدوا الوحي، وحضروا التنزيل والتأويل، وجعلهم النبي صلي الله عليه وسلم كالنجوم.
وأيضاً: فإنهم إذا حكموا بشىيئ أو حكم بعضهم [به] وسكت الباقون عليه، [صار إجماعاً، وما انعقد الإجماع عليه] لا يجوز الاجتهاد فيه.
ولأجل هذه العلة قال القاضي الحسين: إن حكم التابعين وغيرهم من أهل الأمصار فيما ذكرناه حكم الصحابة -رضي الله عنهم- أجمعين.
والمارودي وأبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ اقتصروا على إلحاق التابعين بالصحابة، وسكتوا عن غيرهم.
واعلم أن الآية تقتضي مع ما ذكرناه اشتراط الفقه في العدليين؛ لما سنذكره، وقد حكاه المار ودي عن الشافعي - رضي الله عنه- حيث حكي عنه أنه قال: "ولا يجوز لأحد أن يحكم إلا أن يكون فقيهاً؛ لأنه حكم، فلم يجز إلا بقول من يجوز حكمه".
لكن في "المهذب" أن كونهما فقيهين مستحب، وهو المذكور في "تعليق أبي الطيب" و" الشامل" و"البحر"، وقالوا: إن لفظ الشافعي _ رضي الله عنه- "وأحب أن يكونا فقيهين".
وإذا جمعت هذا وما حكاه المارودي [حصل لك] في المسألة قولان.
وقال الإمام: المعتبر أن يكونا خبيرين من أصحاب الكياسة فيما يتعلق بهذا الغرض.
وقد حكي عن الشافعي - رضي الله عنه- أنه قال: إذا كان القاتل فقيهاً عدلاً، جاز أن يكون أحد العادلين؛ لأنه روى بسنده أن رجلاً يقال له: أربد، وطئ ظبياً، فعقر ظهره، فقدم على عمر، قال له عمر: [احكم يا أربد فيه، فقال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم، فقال له عمر] إنما أمرتك أن تحكم فيه، ولم آمرك أن تزكيني،