كتاب مصابيح الجامع (اسم الجزء: 7)
الْبَشَرِ إِلَى عَائِشَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِهَا، وَكَانَتْ لَا تُمْسِكُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَهَا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ إِلا تَصَدَّقَتْ. فَقَالَ ابْن الزُّبَيْرِ: يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: أيؤْخَذُ عَلَى يَدَيَّ؟! عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ كَلَّمْتُهُ. فَاسْتَشْفَعَ إِلَيْهَا بِرِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَبِأَخْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَاصَّةً، فَامْتَنَعَتْ، فَقَالَ لَهُ الزُّهْرِيُّونَ أَخْوَالُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: إِذَا اسْتَأذَنَّا، فَاقْتَحِم الْحِجَابَ. فَفَعَلَ، فَأرْسَلَ إلَيْهَا بِعَشْرِ رِقَابٍ، فَأَعْتَقتْهُمْ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تُعْتِقُهُمْ حَتَّى بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ. فَقَالَتْ: وَدِدْتُ أَني جَعَلْتُ حِينَ حَلَفْتُ عَمَلًا أَعمَلُهُ فَأَفْرُغَ مِنْهُ.
(وددتُ أني جعلت حين حلفت عملًا أعملُه فأفرغ منه): الظاهر أن "أفرغ": مرفوع بالعطف على الفعل المرفوع قبله، كذا رأيته في بعض النسخ.
وقال الزركشي: هو بالنَّصب، وله وجه.
ومراد عائشة -رضي الله عنها-: [أن النذرَ المبهَمَ يحتمل إطلاقُه على أكثرَ ممَّا (¬1) فعلَتْ، فلو كان شيئًا معلومًا، تحققَّت البراءة منه بعمله (¬2).
قلت: وهذا منها -رضي الله عنها] (¬3) - مبالغةٌ في كمال (¬4) الاحتياط والاجتهاد في براءة الذمة على جهة اليقين، وإلا، فالنذرُ المبهم يكفي في التخلُّص من عهدته إعتاقُ رقبة واحدة مثلًا.
¬__________
(¬1) في "ج": "م".
(¬2) انظر: "التنقيح" (2/ 755).
(¬3) ما بين معكوفتين ليس في "ع".
(¬4) في "ع": "الكمال".
الصفحة 187