كتاب مصابيح الجامع (اسم الجزء: 7)

سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "عَجبْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ اللاَّتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ، ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ". قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ! أَتَهَبْنَنِي وَلاَ تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟! قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكاً فَجّاً إِلاَّ سَلَكَ فَجّاً غَيْرَ فَجِّكَ".
(أنت أَفَظُّ وأغلظُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -): قال الزركشي: أَفْعَلُ التفضيلِ قد يجيء لا للمشاركة في أصل الفعل؛ كقولهم: العسلُ أحلى من الخل (¬1).
قلت: كلامٌ إقناعيٌّ لا تحريرَ فيه، وتحريرُ هذا (¬2) الموضع: أن لـ "أفعل" أربعَ حالات:
إحداها -وهي الحالة الأصلية-: أن (¬3) يدل على ثلاثة أمور:
أحدُها: اتصافُ مَنْ هو له بالحدث (¬4) الذي اشتُق منه، وبهذا المعنى كان وصفاً.
¬__________
(¬1) انظر: "التنقيح" (2/ 721).
(¬2) في "ع": "لهذا".
(¬3) في "ع": "أي".
(¬4) في "ع": "بالحديث".

الصفحة 80