كتاب التقاسيم والأنواع (اسم الجزء: 7)

قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ، فَجِئْتُ الْمِنْبَرَ فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكُونَ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةِ الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، فَقُلْتُ لِغُلَامٍ أَسْوَدَ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، قَالَ: فَدَخَلَ الْغُلَامُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ. فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا أَنْ وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا إِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي يَقُولُ: قَدْ أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِهِ مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قال: فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ نِسَاءَنَا، فَلَمَّا أَنْ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَصَخِبَتْ عَلَيَّ امْرَأَتِي، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: أَتُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، وَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ،
قَالَ: قُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، فَإِذًا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، قال: ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، أُرِيدُ عَائِشَةَ، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم تَبَسُّمًا آخَرَ، قَالَ: فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، قَالَ: فَرَجَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أُهْبَةٍ ثَلَاثَةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُو اللهَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وَأُعْطُوا الدُّنْيَا، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ.
قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم، وَكَانَ مُتَّكِئًا، ثُمَّ قَالَ: "أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا"، قَالَ: فَقُلْتُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَاعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيه وسَلم نِسَاءَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَكَانَ قَالَ: "مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا! " مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حَتَّى عَاتَبَهُ اللهُ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قَدْ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً عَدَّهَا، فَقَالَ: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً"، وَكَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. [٤١٨٧]

الصفحة 289