كتاب الوجل والتوثق بالعمل لابن أبي الدنيا - ط أطلس الخضراء = مقابل

قَالَ النَّصْرَانِيُّ: لَعَمْرِي لَلْمَشْيُ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنَ الْمَوْتِ، وَمَا فَعَلْتَ هَذَا إِلاَّ لِعَدَاوَتِكُمُ الْقَدِيمَةِ، وَإِنَّمَا يَحْزُنُنِي أَنْ نَمُوتَ فَنُدْفَنَ جَمِيعًا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَيَمُرَّ بِنَا مِنَ الْقِسِّيسِينَ مِنْ يُصَلِّي عَلَيْنَا. قَالَ الْيَهُودِيُّ: وَيْحَكَ، وَلِمَ يَشُقُّ عَلَيْكَ أَنْ نُدْفَنَ جَمِيعًا وَيُصَلِّيَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْنَا؟ قَالَ النَّصْرَانِيُّ: لأَنَّكَ قَتَلْتَ نَفْسَكَ وَصَاحِبَكَ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى عَلَيْكَ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَخْرُجُ أَنْفُسُهُمَا إِذْ مَرَّ بِهِمَا رَجُلٌ مَاشٍ يَسُوقُ حِمَارًا عَلَيْهِ قِرْبَتَانِ مِنْ مَاءٍ، فَلَمَّا رَأَيَاهُ ابْتَدَرَا فَقَالا: احْتَسِبْ عَلَيْنَا بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ عَافَاكَ اللَّهُ قَالَ: هَذَا طَرِيقٌ لَيْسَ فِيهِ حِسْبَةٌ. قَالا لَهُ: أَخْبِرْنَا مَا دِينُكَ؟ قَالَ: دِينِي دِينِكُمَا. قَالا: فَإِنَّ أَحَدَنَا يَهُودِيٌّ وَالآخَرَ نَصْرَانِيٌّ. قَالَ: الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْمُسْلِمُ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِي كِتَابِهِ، وَاتَّكَلَ عَلَى الْغِرَّةِ فِي الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ، لَقِيَ مَا لَقِيتُمَا، وَوَلَّى عَنْهُمَا وَلَمْ يَسْقِهِمَا. فَقَالا: هَذَا رَجُلٌ حَازِمٌ. فَقَالَ: مَا أَقَلَّ مَا يُغْنِي عَنْكُمَا حَزْمِي، وَعَمَّنْ فَرَّطَ فِي الأَخْذِ بِالْوَثِيقَةِ، وَاتَّكَلَ عَلَى الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ، وَقَدْ يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ آخِرَتِهِ، كَمَا يَأْخُذُ بِهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ، وَلا يَتَّكِلَ عَلَى الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ فِي الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ بِغَيْرِ اتِّبَاعٍ لِمَا أُمِرَ بِهِ، وَالتَّرْكِ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ
وَلَقَدْ عَجِبْتُ لأَهْلِ الأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ وَاسْتِتَارِهِمْ مِنَ الْعِبَادِ بِقَبِيحِ أَعْمَالِهِمْ، وَلا يَسْتَتِرُونَ مِمَّنْ يَلِي عُقُوبَتَهُمْ، وَلا يُرَاقِبُونَهُ وَهُوَ الَّذِي يُثِيبُ عَلَى الْحَسَنِ، وَيَجْزِي بِالسَّيِّءِ، كَيْفَ أَمِنُوا أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَ صَاحِبَ الدَّيْرِ.

الصفحة 487

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text