" صفحة رقم 200 "
بعيد . وأبعد من هذا ، من جعله عائداً على ملك الموت الذي تقدم ذكره ، والجملة اعتراضية . وقيل : عائد على الرجوع إلى الآخرة ، وفي الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : ) ثُمَّ إِلَى رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ ).
) فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ ( : أي من لقاء البعث ، وهذه أنقال كان ينبغي أن ينزه كتابنا عن نقلها ، ولكن نقلها المفسرون ، فاتبعناهم . والضمير في ) وَجَعَلْنَاهُ ( لموسى ، وهو قول قتادة . وقيل : للكتاب ، جعله هادياً من الضلالة ؛ وخص بني إسرائيل بالذكر ، لأنه لم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل . ) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ ( : أي من بني إسرائيل ، ( أَئِمَّةَ ( : قادة يقتدى بهم . وقرأ الجمهور : ) لَمَّا صَبَرُواْ ( ، بفتح اللام وشد الميم . وعبد الله وطلحة ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائي ، ورويس : بكسر اللام وتخفيف الميم . ) وَكَانُواْ ( : يحتمل أن يكون معطوفاً على ) صَبَرُواْ ( ، فيكون داخلاً في التعليق . ويحتمل أن يكون عطفاً على ) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ ). وقرأ عبد الله أيضاً : بما صبروا ، بباء الجر ، والضمير في منهم ظاهره يعود على بني إسرائيل . والفصل : يوم القيامة يعم الخلق كلهم . ) أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ ( : تقدم الكلام على نحو هذه الآية إعراباً وقراءة وتفسيراً في طه ، إلا أن هنا : ) مِن قَبْلِهِمُ ( والقوم ) يَسْمَعُونَ ( ، وهناك : ) قَبْلَهُمْ ( ، و ) لاِوْلِى ). ويسمعون ، والنهي من الفواصل .
( أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء ( : أقام تعالى الحجة على الكفرة بالأمم السالفة الذين كفروا فأهلكوا ، ثم أقامها عليهم بإظهار قدرته وتنبيههم على البعث ، وتقدّم تفسير ) الْجُرُزِ ( في الكهف ، وكل أرض جزر داخلة في هذا ، فلا تخصيص لها بمكان معين . وقال ابن عباس : هي أرض أبين من اليمن ، وهي أرض تشرب بسيول لا تمطر . وقرىء : الجرز ، بسكون الراء . ) فَنُخْرِجُ بِهِ ( : أي بالماء ، وخص الزرع بالذكر ، وإن كان يخرج الله به أنواعاً كثيرة من الفواكه والبقول والعشب المنتفع به في الطب وغيره ، تشريفاً للزرع ، ولأنه أعظم ما يقصد من النبات ، وأوقع الزرع موقع النبات . وقدمت الأنعام ، لأن ما ينبت يأكله الأنعام أول فأول ، من قبل أن يأكل بنو آدم الحب . ألا ترى أن القصيل ، وهو شعير يزرع ، تأكله الأنعام قبل أن يسبل ؛ والبرسيم والفصفصة وأمثال ذلك تبادره الأنعام بالأكل قبل أن يأكل بنو آدم حب الزرع ، أو لأنه غذاء الدواب ، والإنسان قد يتغذى بغيره من حيوان وغيره ، أو بدأ بالأدنى ثم ترقى إلى الأشرف ، وهم بنو آدم . وقرأ أبو حيوة ، وأبو بكر في رواية : يأكل ، بالياء من أسفل . وقرأ الجمهور : ) يُبْصِرُونَ ( ، بياء الغيبة ؛ وابن مسعود : بتاء الخطاب . وجاءت الفاصلة : ) أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ( ، لأن ما سبق مرئي ، وفي الآية قبله مسموع ، فناسب : ) أَفَلاَ يَسْمَعُونَ ). ثم أخبر تعالى عن الكفرة ، باستعجال فصل القضاء بينهم وبين الرسول على معنى الهزء والتكذيب . و ) الْفَتْحُ ( : الحكم ، قاله الجمهور ، وهو الذي يترتب عليه قوله : ) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ ( الخ ، ويضعف قول الحسن ومجاهد : فتح مكة ، لعدم مطابقته لما بعده ، لأن من آمن يوم فتح مكة ، إيمانه ينفعه ، وكذا قول من قال : يوم بدر . ) وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ( : أي لا يؤخرون عن العذاب . ولما عرف غرضهم في سؤالهم على سبيل الهزء ، وقيل لهم : لا تستعجلوا به ولا تستهزؤا ، فكأن قد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم ، فلم ينفعكم الإيمان ، واستنظرتم في حلول العذاب ، فلم تنظروا ، فيوم منصوب بلا ينفع . ثم أمر بالإعراض عنهم وانتظار النصر عليهم والظفر بهم . ) إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ ( للغلبة عليكم لقوله : ) فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ ( ، وقيل : إنهم منتظرون العذاب ، أي هذا حكمهم ، وإن كانوا لا يشعرون . وقرأ اليماني : منتظرون ، بفتح الظاء ، اسم مفعول ؛ والجمهور : بكسرها ، اسم فاعل ، أي منتظر هلاكهم ، فإنهم أحقاء أن ينتظر هلاكهم ، يعني : إنهم هالكون لا محالة ، أو : وانتظر ذلك ، فإن الملائكة في السماء ينتظرونه .