كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 7)

" صفحة رقم 207 "
يدعي أن له قلبين ، ويقال له : ذو القلبين ، وكان يقول : أنا أذكى من محمد وأفهم ؛ فلما بلغته هزيمة بدر طاش لبه وحدث أبا سفيان بن حرب بحديث كالمختل ، فنزلت . وقال الحسن : هم جماعة ، يقول الواحد منهم : نفس تأمرني ونفس تنهاني . وقيل : إن بعض المنافقين قال إن محمداً له قلبان ، لأنه ربما كان في شيء ، فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه ، فنفى الله ذلك عنه وعن كل أحد . قيل : وجه نظم هذه الآية بما قبلها ، أنه تعالى لما أمر بالتقوى ، كان من حقها أن لا يكون في القلب تقوى غير الله ، فإن المرء ليس له قلبان يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره ، وهو لا يتقي غيره إلا بصرف القلب عن جهة الله إلى غيره ، ولا يليق ذلك بمن يتقي الله حق تقاته . انتهى ، ملخصاً . ولم يجعل الله للإنسان قلبين ، لأنه إما أن يفعل أحدهما مثل ما يفعل الآخر من أفعال القلوب ، فلا حاجة إلى أحدهما ، أو غيره ، فيؤدي إلى اتصاف الإنسان بكونه مريداً كارهاً عالماً ظاناً شاكاً موقناً في حال واحدة . وذكر الجوف ، وإن كان المعلوم أن القلب لا يكون إلا بالجوف ، زيادة للتصوير والتجلى للمدلول عليه ، كما قال تعالى : ) وَلَاكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ ). فإذا سمع بذلك ، صور لنفسه جوفاً يشتمل على قلبين يسرع إلى إنكار ذلك .
( وَمَا جَعَلَ أَزْواجَكُمُ ( : لم يجعل تعالى الزوجة المظاهر منها أماً ، لأن الأم مخدومة مخفوض لها جناح الذل ، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوك ، وهما حالتان متنافيتان . وقرأ قالون وقنبل : ) اللاَّئِى ( هنا ، وفي المجادلة والطلاق : بالهمزة من غير ياء ؛ وورش : بياء مختلسة الكسرة ؛ والبزي وأبو عمرو : بياء ساكنة بدلاً من الهمزة ، وهو بدل مسموع لا مقيس ، وهي لغة قريش ؛ وباقي السبعة : بالهمز وياء بعدها . وقرأ عاصم : ) تَظَاهَرُونَ ( بالتاء للخطاب ، وفي المجادلة : بالياء للغيبة ، مضارع ظاهر ؛ وبشد الظاء والهاء : الحرميان وأبو عمرو ؛ وبشد الظاء وألف بعدها : ابن عامر ؛ وبتخفيفها والألف : حمزة والكسائي ؛ ووافق ابن عامر الآخرين في المجادلة ؛ وباقي السبعة فيها بشدها . وقرأ ابن وثاب ، فيما نقل ابن عطية : بضم الياء وسكون الظاء وكسر الهاء ، مضارع أظهر ؛ وفيما حكى أبو بكر الرازي عنه : بتخفيف الظاء ، لحذفهم تاء المطاوعة وشد الهاء . وقرأ الحسن : تظهرون ، بضم التاء وتخفيف الظاء وشد الهاء ، مضارع ظهر ، مشدد الهاء . وقرأ هارون ، عن أبي عمرو : تظهورن ، بفتح التاء والهاء وسكون الظاء ، مضارع ظهر ، مخفف الهاء ، وفي مصحف أبي : تتظهرون ، بتاءين . فتلك تسع قراآت ، والمعنى : قال لها : أنت علي كظهر أمي . فتلك الأفعال مأخوذة من هذا اللفظ كقوله : لبى المحرم إذا قال لبيك ، وأفف إذا قال أف . وعدى الفعل بمن ، لأن الظهار كان طلاقاً في الجاهلية ، فيتجنبون المظاهر منها ، كما يتجنبون المطلقة ، والمعنى : أنه تباعد منها بجهة الظهار وغيره ، أي من امرأته . لما ضمن معنى التباعد ، عدى بمن ، وكنوا عن البطن بالظهر إبعاداً لما يقارب الفرج ، ولكونهم كانوا يقولون : يحرم إتيان المرأة وظهرها للسماء ، وأهل المدينة يقولون : يجيء الولد إذ ذاك أحول ، فبالغوا في التغليظ في تحريم الزوجة ، فشبهها بالظهر ، ثم بالغ فجعلها كظهر أمه . وروي أن زيد بن حارثة من كلب سبي صغيراً ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة ، فوهبته لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وجاء أبوه وعمه بفدائه ، وذلك قبل بعثة رسول الله ، فأعتقه ، وكانوا يقولون : زيد بن محمد ، فنزلت .
( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ( الآية : وكانوا في الجاهلية وصدر الإسلام إذا تبنى الرجل ولد غيره صار يرثه . وأدعياء : جمع دعي ، فعيل بمعنى مفعول ، جاء شاذاً ، وقياسه فعلى ، كجريح وجرحى ، وإنما هذا الجمع قياس فعيل المعتل اللام بمعنى فاعل ، نحو : تقي وأتقياء . شبهوا أدعياء بتقي ، فجمعوه جمعه شذوذاً ، كما شذوا في جمع أسير وقتيل فقالوا : أسراء وقتلاء ، وقد سمع المقيس فيهما فقالوا : أسرى وقتلى . والبنوة تقتضي التأصل في النسب ، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية ، فلا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً غير أصيل . ) ذالِكُمْ ( : أي دعاؤهم أبناء مجرد قول لا حقيقة لمدلوله ، إذ لا يواطىء اللفظ الإعتقاد ، إذ يعلم حقيقة أنه ليس ابنه . ) وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ ( : أي ما يوافق

الصفحة 207