كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 7)

" صفحة رقم 237 "
البار والفاجر ، فلو أمرتهن أن يحتجبن ، فنزلت . وقال مجاهد : طعم معه بعض أصحابه ، ومعهم عائشة ، فمست يد رجل منهم يد عائشة ، فكره ذلك عليه السلام ، فنزلت آية الحجاب .
ولما كان نزول الآية في شيء خاص وقع للصحابة ، لم يدل ذلك على أنه لا يجوز دخول بيوت النبي إلا إن كان عن إذن ) إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ( ، لا يجوز دخول بيوته ، عليه السلام ، إلا بإذن ، سواء كان لطعام أم لغيره . وأيضاً فإذا كان النهي إلا بإذن إلى طعام ، وهو ما تمس الحاجة إليه لجهة الأولى . و ) بُيُوتِ ( : جمع ، وإن كانت الواقعة في بيت واحد خاص يعم جميع بيوته . و ) إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ ( ، قال الزمخشري : ) إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ ( في معنى الظرف تقديره : وقت أن يؤذن لكم ، و ) غَيْرَ نَاظِرِينَ ( : حال من ) لاَ تَدْخُلُواْ ( ، أوقع الاستثناء على الوقت والحال معاً ، كأنه قيل : لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين إناه . انتهى . فقوله : ) إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ ( في معنى الظرف وتقديره : وقت أن يؤذن لكم ، وأنه أوقع الاستثناء على الوقت فليس بصحيح ، وقد نصوا على أن أنْ المصدرية لا تكون في معنى الظرف . تقول : أجيئك صياح الديك وقدوم الحاج ، ولا يجوز : أجيئك أن يصيح الديك ولا أن يقدم الحاج . وأما أن الاستثناء وقع على الوقت والحال معاً ، فلا يجوز على مذهب الجمهور ، ولا يقع بعد إلا في الاستثناء إلا المستثنى ، أو المستثنى منه ، أو صفة المستثنى منه : وأجاز الأخفش والكسائي ذلك في الحال ، أجازا : ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا ، فيجوز ما قاله الزمخشري في الحال . وأما قوله : ) إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ( ، فلا يتعين أن يكون ظرفاً ، لأنه يكون التقدير : إلا بأن يؤذن لكم ، فتكون الباء للسببية ، كقوله : ) فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلّ الثَّمَراتِ ( ، أو للحال ، أي مصحوبين بالإذن . وأما ) غَيْرَ نَاظِرِينَ ( ، كما قرر في قوله : ) بِالْبَيّنَاتِ وَالزُّبُرِ ). أرسلناهم بالبينات والزبر ، دل عليه ) لاَ تَدْخُلُواْ ( ، كما دل عليه أرسلناهم قوله : ) وَمَا أَرْسَلْنَا ). ومعنى ) غَيْرَ نَاظِرِينَ ( فحال ، والعامل فيه محذوف تقديره : ادخلوا بالإذن غير ناظرين . كما قرر في قوله : ) بِالْبَيّنَاتِ وَالزُّبُرِ ( ، أي غير منتظرين وقته ، أي وقت استوائه وتهيئته . وقرأ الجمهور : ) غَيْرِ ( بالنصب على الحال ؛ وابن أبي عبلة : بالكسر ، صفة لطعام . قال الزمخشري : وليس بالوجه ، لأنه جرى على غير من هو له ، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز من إلى اللفظ ، فيقال : غير ناظرين إناه أنتم ، كقوله : هند زيد ضاربته هي . انتهى . وحذف هذا الضمير جائزو عند الكوفيين إذا لم يلبس وأنى الطعام إدراكه ، يقال : أني الطعام أنى ، كقوله : قلاه قلى ، وقيل : وقته ، أي غير ناظرين ساعة أكله . وقرأ الجمهور : إناه مفرداً ؛ والأعمش : إناءه ، بمدة بعد النون . ورتب تعالى الدخول على أن يدعوا ، فلا يقدمون عليه الدخول حين يدعوا ، ثم أمر بالاستثناء إذا طعموا . ) وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ( : معطوف على ) نَاظِرِينَ ( ، فهو مجرور أو معطوف على ) غَيْرِ ( ، فهو منصوب ، أي لا تدخلوها لا ناظرين ولا مستأنسين . وقيل : ثم حال محذوفة ، أي لا تدخلوها أجمعين ولا مستأنسين ، فيعطف عليه . واللام في ) لِحَدِيثٍ ( إما لام العلة ، نهوا أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدثه ، به أو اللام المقوية لطلب اسم الفاعل للمفعول ، فنهوا أن يستأنسوا حديث أهل البيت . واستئناسه : تسمعه وتوحشه .
( إِنَّ ذَلِكُمْ ( : أي انتظاركم واستئناسكم ، ( يُؤْذِى النَّبِىّ فَيَسْتَحْيِى مِنكُمْ ( : أي من إنهاضكم من البيوت ، أو من إخراجكم منها بدليل قوله : ) وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ الْحَقّ ( : يعني أن إخراجكم حق ما ينبغي أن يستحيا منه . ولما كان الحياء مما يمنع الحي من بعض الأفعال ، قيل : ) لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِىّ ( بمعنى : لا يمتنع ، وجاء ذلك على سبيل المقابلة لقوله : ) فَيَسْتَحْيِى مِنكُمْ ). وعن عائشة ، وابن عباس : حسبك في الثقلاء ، أن الله لم يحتملهم . وقرئت هذه الآية بين يدي إسماعيل بن أبي حكيم فقال : هنا أدب أدب الله به الثقلاء . وقرأت فرقة : فيستحيي بكسر الحاء ، مضارع استحى ، وهي لغة بني تميم . واختلفوا ما المحذوف ، أعين الكلمة أم لامها ؟ فإن كان العين فوزنها يستفل ، وإن كان اللام فوزنها يستفع ، والترجيح مذكور في النحو . وقرأ الجمهور : بياءين وسكون الحاء ، والمتاع عام في ما يمكن أن يطلب على عرف

الصفحة 237