كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 7)

" صفحة رقم 249 "
مسطوراً في اللوح . انتهى . ولا يحتاج إلى هذا التأويل إذا جعلنا الكتاب المبين ليس اللوح المحفوظ . وقرأ زيد بن على : ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، بخفض الراءين بالكسرة ، كأنه نوى مضافاً إليه محذوفاً ، التقدير : ولا أصغر ولا أكبره ، ومن ذلك ليس متعلقاً بأفعل ، بل هو بتبين ، لأنه لما حذف المضاف إليه أبهم لفظاً فبينه بقوله : ) مّن ذالِكَ ( ، أي عنى من ذلك ، وقد جاءت من كون أفعل التفضيل مضافاً في قول الشاعر : تحن نفوس الورى وأعلمنا
بنا يركض الجياد في السدف
وخرج على أنه أراد علم بنا ، فأضاف ناوياً طرح المضاف إليه ، فاحتملت قراءة زيد هذا التوجيه الآخر : أنه لما أضاف أصغر وأكبر على إعرابهما حالة الإضافة ، وهذا كله توجيه شذوذ ، وناسب وصفه تعالى بعالم الغيب ، وأنه لا يفوت علمه شيء من الخفيات ، فاندرج في ذلك وقت قيام الساعة ، وصار ذلك دليلاً على صحة ما أقسم عليه ، لأن من كان عالماً بجميع الأشياء كلها وجزئها ، وكانت قدرته ثابتة ، كان قادراً على إعادة ما فنى من جميع الأرواح والأشباح . قيل : وقوله ) مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ( ، إشارة إلى علمه بالأرواح ، ( وَلاَ فِى الاْرْضِ ( ، إشارة إلى علمه بالأشياء . وكما أبرزهما من العدم إلى الوجود أولاً ، فكذلك يعيدهما ثانياً . وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف يكون بمعنى اليمين مصححة لما أنكروه ؟ قلت : هذا لو اقتصر على اليمين ولم يتبعها بالحجة القاطعة ، وهو قوله : ) لِيَجْزِىَ ( ، فقد وضع الله في العقول وركب في الغرائز وجوب الجزاء ، وأن المحسن لا بد له من ثواب ، والمسيء لا بد له من عقاب . انتهى ، وفي السؤال بعض اختصار ، وفيه دسيسة الاعتزال . والظاهر أن قوله : ) لِيَجْزِىَ ( متعلق بقوله : ) لاَ يَعْزُبُ ( ، وقيل : بقوله ) لَتَأْتِيَنَّكُمْ ( ، وقيل : بالعامل ) فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ ( : أي إلا مستقراً في كتاب مبين ليجزي . وقرأ الجمهور : معجزين مخففاً ، وابن كثير وأبو عمرو والجحدري وأبو السماك : مثقلاً وتقدّم في الحج ، أي معجزين قدره الله في زعمهم . وقال ابن الزبير : معناه مثبطين عن الإيمان من أراده ، مدخلين عليه العجز في نشاطه ، وهذا هو سعيهم في الآيات ، أي في شأن الآيات . وقال قتادة : مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا . وقال عكرمة : مراغمين . وقال ابن زيد : مجاهدين في إبطالها . وقرأ ابن كثير وحفص وابن أبي عبلة : ) أَلِيمٌ ( هنا ، وفي الجاثية بالرفع صفة للعذاب ، وباقي السبعة بالجر صفة للرجز ، والرجز : العذاب السيء . والظاهر أن قوله : ) وَالَّذِينَ سَعَوْاْ ( مبتدأ ، والخبر في الجملة الثانية ، وهي ) أُوْلَائِكَ ). وقيل : هو منصوب عطفاً على ) الَّذِينَ كَفَرُواْ ( ، أي وليجزي الذين سعوا . واحتمل أن تكون الجملتان المصدرتان بأولئك هما نفس الثواب والعقاب ، واحتمل أن تكونا مستأنفتين ، والثواب والعقاب ما تضمنتا مما هو أعظم ، كرضا الله عن المؤمن دائماً ، وسخطه على الفاسق دائماً . قال العتبي : والظاهر أن قوله : ) وَيَرَى ( استئناف إخبار عمن أوتي العلم ، يعلمون القرآن المنزل عليك هو الحق . وقيل : ويرى منصوب عطفاً على ليجزي ، وقاله الطبري والثعلبي ؛ وتقدّم الخلاف في ) الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ ( في ذلك المكان الذي نزلت فيه هذه السورة . وقال الزمخشري : أي وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الاتفاق ، ويحتجوا به على الذين كفروا وتولوا . ويجوز أن يريد : وليعلم من لم يؤمن من الأخيار أنه هو الحق ، فيزداد حسرة وغماً . انتهى . وإنما قال : عند مجيء الساعة ، لأنه علق ليجزي بقوله : ) لَتَأْتِيَنَّكُمْ ( ، فبنى التخريج على ذلك . وقرأ الجمهور : الحق بالنصب ، مفعولاً ثانياً ليرى ، وهو فصل ؛ وابن أبي عبلة : بالرفع جعل هو مبتدأ والحق خبره ، والجملة في موضع المفعول الثاني ليرى ، وهو لغة تميم ، يجعلون ما هو

الصفحة 249