" صفحة رقم 276 "
والهلاك ؟ وقيل : الضمير في ) بَلَغُواْ ( عائد على ) الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ( ، وفي ) ءاتَيْنَاهُمُ ( على قريش ، وما بلغ الأمم المتقدمة معشار ما آتينا قريشاً من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به . وأورد ابن عطية هذه الأقوال احتمالات ، والزمخشري ذكر الثاني ، وأبو عبد الله الرازي اختار الثالث ، قال : أي ) الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ( ما بلغوا معشار ما آتينا قوم محمد من البرهان ، وذلك لأن كتاب محمد ، عليه السلام ، أكمل من سائر الكتب وأوضح ، ومحمد ، عليه السلام ، أفضل من جميع الرسل وأفصح ، وبرهانه أو في ، وبيانه أشفى ، ويؤيد ما ذكرنا ، ( وَمَا ءاتَيْنَاهُمْ مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا ( تغني عن القرآن . فلما كان المؤتى في الآية الأولى هو الكتاب ، حمل الإيتاء في الآية الثانية على إيتاء الكتاب ، وكان أولى . انتهى .
وعن ابن عباس : فليس أنه أعلم من أمّته ، ولا كتاب أبين من كتابه . والمعشار مفعال من العشر ، ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع ، ومعناهما : العشر والربع . وقال قوم : المعشار عشر العشر . قال ابن عطية : وهذا ليس بشيء . انتهى . وقيل : والعشر في هذا القول عشر المعشرات ، فيكون جزأ من ألف جزء . قال الماوردي : وهو الأظهر ، لأن المراد به المبالغة في التقليل . وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى ) فَكَذَّبُواْ رُسُلِى ( ، وهو مستغنى عنه بقوله ) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ ( ؟ قلت : لما كان معنى قوله : ) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ ( ، وفعل الذين من قبلهم التكذيب ، وأقدموا عليه ، جعل تكذيب الرسل مسبباً عنه ، ونظيره أن يقول القائل : أقدم فلان على الكفر ، فكفر بمحد ( صلى الله عليه وسلم ) ) . ويجوز أن ينعطف على قوله : ) مَا بَلَغُواْ ( ، كقولك : ما بلغ زيد معشار فضل عمرو ، فيفضل عليه . ) فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ( : للمكذبين الأوّلين ، ليحذروا من مثله . انتهى . وفكيف : تعظيم للأمر ، وليست استفهاماً مجرداً ، وفيه تهديد لقريش ، أي أنهم معرضون لنكير مثله ، والنكير مصدر كالإنكار ، وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل ، والفعل على وزن أفعل ، كالنذير والعذير من أنذر وأعذر ، وحذفت إلى من نكير تخفيفاً لأنها أجزأته .
( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ ( ، قال : هي طاعة الله وتوحيده . وقال السدي : هي لا إله إلاّ الله . قال قتادة : هي أن تقوموا . قال أبو علي : ) أَن تَقُومُواْ ( في موضع خفض على البدل من واحدة . وقال الزمخشري : ) بِواحِدَةٍ ( : بخصلة واحدة ، وهو فسرها بقوله : ) أَن تَقُومُواْ ( على أن عطف بيان لها . انتهى . وهذا لا يجوز ، لأن بواحدة نكرة ، وأن تقوموا معرفة لتقديره قيامكم لله . وعطف البيان فيه مذهبان : أحدهما : أنه يشترط فيه أن يكون معرفة من معرفة ، وهو مذهب الكوفيين ، وأما التخالف فلم يذهب إليه ذاهب ، وإنما هو وهم من قائله . وقد ردّ النحويون على الزمخشري في قوله : ) ءانٍ مَّقَامِ إِبْراهِيمَ ( عطف بيان من قوله : ) بَيّنَاتٍ فَاسْأَلْ ( ، وذلك لأجل التحالف ، فكذلك هذا . والظاهرر أن القيام هنا هو الانتصاب في الأمر ، والنهوض فيه بالهمة ، لا القيام الذي يراد به المقول على القولين ، ويبعد أن يراد به ما جوزه الزمخشري من القيام عن مجلس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وتفرقهم عن مجتمعهم عنده . والمعنى : إنما أعظكم بواحدة فيها إصابتكم الحق وخلاصكم ، وهي أن تقوموا لوجه الله متفرقين اثنين اثنين ، وواحداً واحداً ، ثم تتفكروا في أمر محمد وما جاء به . وإنما قال : ) مَثْنَى وَفُرَادَى ( ، لأن الجماعة يكون مع اجتماعهم تشويش الخاطر والمنع من التفكر ، وتخليط الكلام ، والتعصب