" صفحة رقم 297 "
غرابيب . ويقال : أسود حلكوك ، وأسود غربيب ، ومن حق الواضح الغاية في ذلك اللون أن يكون تابعاً . فقال ابن عطية : قدم الوصف الأبلغ ، وكان حقه أن يتأخر ، وكذلك هو في المعنى ، لكن كلام العرب الفصيح يأتي كثيراً على هذا . وقال الزمخشري : الغربيب تأكيد للاسود ، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد ، كقولك : أصفر فاقع ، وأبيض يقق ، وما أشبه ذلك ؛ ووجهه أن يظهر المؤكد قبله ، فيكون الذي بعده تفسيراً لما أضمر ، كقول النابغة :
والمؤمن العائذات الطير
وإنما يفعل لزيادة التوكيد ، حيث يدل على المعنى الواحد من طريق الإظهار والإضمار جميعاً . انتهى . وهذا لا يصح إلا على مذهب من يجيز حذف المؤكد . ومن النحاة من منع ذلك ، وهو اختيار ابن مالك . وقيل : هو على التقديم والتأخير ، أي سود غرابيب . وقيل : سود بدل من غرابيب ، وهذا أحسن ، ويحسنه كون غرابيب لم يلزم فيه أن يستعمل تأكيداً ، ومنه ما جاء في الحديث : ( أن الله يبغض الشيخ الغربيب ) ، يعني الذي يخضب بالسواد ، وقال الشاعر : العين طامحة واليد سابحة
والرجل لائحة والوجه غربيب
وقال آخر : ومن تعاجيب خلق الله غالية
البعض منها ملاحيّ وغربيب
وقرأ الجمهور : ) وَالدَّوَابّ ( ، مشدد الباء ؛ والزهري : بتخفيفها ، كراهية التضعيف ، إذ فيه التقاء الساكنين . كما همز بعضهم ) وَلاَ الضَّالّينَ ( ، فراراً من التقاء الساكنين ، فحذف هنا آخر المضعفين وحرك أول الساكنين . ومختلفة ، صفة لمحذوف ، أي خلق مختلف ألوانه كذلك ، أي كاختلاف الثمرات والجبال ؛ فهذا التشبيه من تمام الكلام قبله ، والوقف عليه حسن . قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب ، كأنه قال : كما جاءت القدرة في هذا كله .
( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ( : أي المخلصون لهذه العبر ، الناظرون فيها . انتهى . وهذا الاحتمال لا يصح ، لأن ما بعد إنما لا يمكن أن يتعلق بهذا المجرور قبلها ، ولو خرج مخرج السبب ، لكان التركيب : كذلك يخشى الله من عباده ، أي لذلك الاعتبار ، والنظر في مخلوقات الله واختلاف ألوانها يخشى . ولكن التركيب جاء بإنما ، وهي تقطع هذا المجرور عما بعدها ، والعلماء هم الذين علموه بصفاته وتوحيده وما يجوز عليه وما يجب له وما يستحيل عليه ، فعظموه وقدروه