كتاب فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) (اسم الجزء: 7)
فإن قلت: أي فائدة في قوله: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) وقوله: (كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ) مغن عنه، كما أغنى قوله: (كَالَّذِي خاضُوا) عن أن يقال: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا؟ قلت: فائدته أن يذم الأوّلين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا، ورضاهم بها، والتهائهم بشهواتهم الفانية، عن النظر في العاقبة، وطلب الفلاح في الآخرة، وأن يخسس أمر الاستمتاع ويهجن أمر الرضا به، ثم يشبه بعد ذلك حال المخاطبين بحالهم، كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله، فتقول: أنت مثل فرعون، كان يقتل بغير جرم، ويعذب، ويعسف، وأنت تفعل مثل فعله.
وأما (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) فمعطوف على ما قبله، مستند إليه، مستغن باستناده إليه عن تلك التقدمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي فائدة في قوله: (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ): تلخيص السؤال: أن هاهنا تشبيهين؛ أحدهما يجري على ظاهره، وهو قوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا)، وثانيهما فيه إطناب، لأن أصله فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم، فأي فائدة في زيادة (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ)؟
وأجاب: أن هذه الزيادة كالتوطئة والتمهيد للتمثيل؛ لمزيد تقبيح الاستمتاع بشهوات الدنيا ولذاتها، وتوطين ذلك في قلب السامع إجمالاً وتفصيلاً، فيقدر مثله للتمثيل الثالث؛ لونه معطوفاً عليه، ويمكن أن يقال: التمثيل الثاني كالمفرع على الأول بشهادة الفاءين للإيذان بأن "حب الدنيا رأس كل خطيئة".
قوله: (والتهائهم بشهواتهم)، الجوهري: "لهوت بالشيء ألهو لهواً: إذا لعبت به، ولهيت عنه - بالكسر- ألهى لهياً ولهياناً: إذا سلوت عنه وتركت ذكره".