كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 7)

وحكى ابن سعد (¬1) وقال: كان ثلاثةٌ من الأنصار يُهاجون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسَّان بن ثابت، وعبد الله بن رَواحة، وكعبُ بن مالك. فأما حسَّان فكان يذكُرُ عيوبَهم وأَيَّامَهم، وأمَّا ابنُ رَواحة فكان يُعيِّرُهُم بالكُفْرِ وتردُّدِهم فيه، وأمَّا كعبُ فكان يذكر الحربَ فيقول: قتلنا، ويتهدَّدُهُم.
وحكى ابن سعد أيضًا بإسناده عن عوف، عن محمد قال (¬2): هجا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه ثلاثةٌ من كفَّار قريش: أبو سفيان بن الحارث، وعمرو بن العاص، وابن الزِّبَعْرى. فقال قائل لعليّ بن أبي طالب: اهجُ عنَّا القَوْمَ الذين هجونا، فقال علي: إن أَذِنَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَلْتُ. فقال الرجل: يا رسول الله، ائذن لعليّ في هَجْوهم. فقال: "ليس عنده ذلك"، وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس عليٌّ هناك". ثم قال للأنصار: "ما يمنع القَوْمَ الذين نصروا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بسلاحِهم وأنفسِهم أن ينصروه بألسنتِهم"؟ فقال حسان بن ثابت: أنا لها يا رسول الله، وأخذ بطرف لسانِه وقال: واللهِ ما يَسُرُّني به مِقْوَلٌ (¬3) بين بُصْرى وصنعاء، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "كيف تهجوهم وأنا منهم؟ ". قال: أَسُلُّكَ كما تُسَلُّ الشعرةُ من العجين.
قال: فكان يهجوهم ثلاثةٌ من الأنصار: حسَّان، وكعبٌ، وابنُ رَواحة.
وروى هشام عن أبيه: فأخرج حسان لِسانَه، فضرب به رَوْثَةَ أَنْفِهِ، كأنه لسانُ شجاعٍ (¬4)، في طرفهِ شامة سوداءُ، ثم ضرب به ذَقْنَه فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "اذهب إلى أبي بكر (¬5)، فإنَّه أعلمُ قُريش بأنسابِها، فيُخَلِّص لك نَسبي" (¬6).
ثم قال حسان يُعرِّضُ بأبي سفيان بن الحارث فقال:
¬__________
(¬1) في "الطبقات" 4/ 324.
(¬2) المصدر السابق. عوف: هو الأعرابي، ومحمد: هو ابن سيرين. وينظر حديث عائشة عند مسلم (2490).
(¬3) أي: لسان، ووقع في (خ): مقولًا، والمثبت من "الطبقات" 4/ 16.
(¬4) في "القاموس": الشُّجاع: الحيَّة، أو الذكر منها.
(¬5) بعدها في (خ) (والكلام منها): الصّدّيق - رضي الله عنه -. وهو سهو من الناسخ.
(¬6) الحديث بنحوه في "الأنساب" 1/ 22، و"تاريخ دمشق " وأخرجه مسلم بنحوه (2490) من حديث عائشة مطولًا.

الصفحة 171