كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 7)

وذكر الهيثم بن عدي واقعته مع أخيه عليّ قال (¬1): قَدِمَ عقيلٌ الكوفةَ، فنزل على أخيه عليّ - عليه السلام -، فأمر الحسنَ فكساه. فلما أمسى دعا عليٌّ بعَشائه؛ فإذا هو خبزٌ وملحٌ وبَقْلٌ. فقال عقيل: ما هو إلّا ما أرى؟ ! قال: نعم. قال: أفتقضي دَيني؟ قال: كم هو؟ قال: أربعون ألفًا. قال: اصبر حتى يخرجَ عطائي، فإنَّه أربعة آلاف دِرهم فأدفَعُها إليك. فقال عقيل: بيوتُ الأموالِ بيدِكَ، وأنتَ تُسَوِّفُني بعطائك! فقال: اكسر صندوقًا من هذه الصناديق، فإنَّ فيه أموال المسلمين، فخُذْها. قال: أفتأمرُني بذلك! فقال: أفتأمرني أن أدفعَ إليك أموال الناس وقد أمَّنوني عليها؟ !
فخرج إلى معاوية، فأعطاه خمسين ألف دينار وقال له: كيف رأيتَني من أخيك؟ فقال: أخي آثر دينَه على دُنْياه، وأنْتَ آثَرْتَ دُنْياكَ على دينك، فأنْتَ خيرٌ لي من أخي، وأخي خيرٌ لنَفْسه منك.
وقال الهيثم: ثم عاد إلى عليّ - عليه السلام -، فقال له: ويحكَ يا عقيل، اخترتَ الدنيا على الآخرة! فقال: الفَقْرُ والدَّينُ.
وقال الهيثم: قال له يومًا معاوية: يا أبا يزيد، جَفَوْتَنا. فقال:
وإني امرؤٌ مني التكرم شيمةٌ ... إذا صاحبي يومًا على الهُونِ أَضمرا
ثم قال: يا معاوية، لئن كانتِ الدنيا مَهَّدَتْك مِهادَها، وأظلَّتك حذافيرُ مُلْكِها، ومدَّت عليك أطنابَ سُلْطانِها، لم يكن بالذي يزيدك مني رغبة، ولا خشوعًا لرهبة. فقال له معاوية: يا أبا يزيد، إنّي لأرجو من الله أن يكونَ إنّما رَدَّاني بردائِها، وحَباني مُلْكَها لكرامةٍ ادَّخَرها لي عنده. وقد كان داود خليفة، وسليمانُ مَلِكًا، وإنَّما هو المثال (¬2) يُحتذى عليه، والأُمورُ أشباه. وايمُ الله، لقد أصبحتَ إلينا أبا يزيد حبيبًا، وعلينا كريمًا، وما أصبحتُ أُضمرُ لك إساءة.
¬__________
(¬1) الخبر بنحوه في "تاريخ دمشق" 48/ 149 - 150.
(¬2) في "العقد الفريد" 4/ 6: لمثال.

الصفحة 193