كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 7)

وأخرج البخاري عن سعيد أنَّه قال: واللهِ لقد رأيتُني وإنَّ عمرَ بن الخطابِ لَمُوثِقي على الإسلام أنا وأُختَه، وما أسلمَ بَعدُ (¬1).
وشهد سعيد أُحدًا والمشاهِدَ كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه ولم يشهد بَدرًا؛ لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثَه وطلحةَ يتحسَّسانِ عِيرَ قُريش، ففاتهما شُهودُ بَدر، فَضربَ لهما رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بسَهْمَيهِما وأجْرِهما، وقد ذكرناه.
وقال البخاريّ: إنه شَهِدَها (¬2)؛ فأخرج في "صحيحه" (¬3) وقال: ذُكِرَ لعبد الله بن عُمر أن سعيدَ بنَ زيد مريضٌ (¬4) -وكان بَدريًّا- في يوم جمعة. فركب إليه بعدما تعالى النهارُ، وتركَ الجمعة.
قالوا: وقَد وَهِمَ البخاريُّ في قوله: كان بدريًّا، فإنَّهم اتفقوا على أنَّه لم يَشهدها.
قلت: ويحتمل أن البخاريَّ أراد بَدريًّا حُكْمًا، لا حقيقةً (¬5).
وكان سعيدٌ مجابَ الدعوة؛ دعا على أروى بنت أُويس، فهلكت؛ قال البخاري: حدثني عُبيد بن إسماعيل بإسناده عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد بن عَمرو بن نُفيل؛ أنَّه خاصمَتْهُ أروَى إلى مروان في حقٍّ زعَمَتْ أنَّه انتقَصَه لها، فقال سعيد: أنا
¬__________
(¬1) صحيح البخاري (3862) و (3867). قوله: مُوثقي على الإسلام؛ قال ابن حجر في "فتح الباري" 7/ 176: أي: رَبَطَهُ بسبب إسلامه إهانةً له، وإلزامًا بالرجوع عن الإسلام.
(¬2) لم يقل البخاري رحمه الله: إنه شهدها، بل قال: كان بدريًّا، (كما سيرد). وفرقٌ بين اللفظين، بل صرّح البخاري في "التاريخ الكبير" 3/ 425 بأنه لم يشهد بدرًا، فنقل عن أبي نُعيم قوله: قدم من الشام بعدما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - من بدر، فضرب له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسهمه.
(¬3) برقم (3990) في كتاب المغازي.
(¬4) في "صحيح" البخاري: مَرِضَ.
(¬5) لعلَّ الواهم مَنْ وهَّم البخاريَّ في قوله: كان بدريًّا، فقد أورده في "صحيحه" في باب تسمية من سمي من أهل بدر (الفتح 7/ 326)، ولم يقل: من شهد بدرًا، بل صرَّح في "تاريخه" أنه لم يشهدها (كما سلف قبل تعليقين)، وقد ذكره ابن سعد في "طبقاته" 3/ 352 في الطبقة الأولى من البدريين من الهاجرين، وقال: لم يشهد طلحة وسعيد الوقعة، وضرب لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسُهمانهما وأجورهما في بدر، فكانا كمن شهدها، وكذلك قال ابن الجوزي في "المنتظم" 5/ 247، وذكر ابن حجر في "فتح الباري" 7/ 311 أن الغرض من حديث البخاري هو قولُه: وكان بدريًّا، قال: وإنما نُسب إلى بدر -وإن كان لم يحضر القتال- لأنه كان مِمَن ضَرَبَ له النبي - صلى الله عليه وسلم - بسهم.

الصفحة 242