كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 7)

وقال أبو اليقظان: هربَ عمرو إلى أذربيجان، فنزل على رجل من بَجِيلةَ، وكان مريضًا، فماتَ عنده، فقطعَ رَأْسَه، وبعثَ به إلى الموصل إلى عبد الرحمن (¬1)، فبعث به إلى معاوية (¬2).
وقال الحسنُ بنُ سفيان: بعث معاويةُ الطلبَ خَلْفَه، فدخل غارًا وفيه حَيَّةٌ، فلسعَتْه، فمات، فقطعوا رَأْسَه وحملوه إلى معاوية.
وقال أبو القاسم بن عساكر (¬3): لما وضعوا رَأسَه بين يَدَي معاوية قال: اذهبوا فضَعوه في حِجْرِ بنتِ الشَّريدِ (¬4)، يعني زوجةَ عمرو، واسمُها آمنة، وكانت محبوسةً بدمشق، فلمّا أَلْقَوْه في حِجْرِها ارتاعت، ثم لَثَمَتْ فاه، وبكت طويلًا وقالت: غَيَّبْتُموه عني زمانًا طويلًا، ثم أهديتُموه إليَّ قتيلًا، فأهلًا به من هديَّةٍ غير قاليةٍ ولا مَقْلِيَّةٍ. واضَيعتاه بدار هوان.
ثم قالت: اللهم العن ابنَ هِنْد. وسبَّته سبًّا قَبيحًا. وبلغه، فأحضَرَها وقال: أنْتِ صاحبةُ الكلام؟ فقالت وهي غير فَزِعةٍ ولا مُرتاعة: نعم.
وكان عنده إياس بن شُرَحْبيل -وكان في شِدْقِهِ نُتوءٌ كأنَّه عَظْمٌ لعِظَمِ لسانِه- فقال له: اقتُلْها، فما زَوْجُها بأحق للقَتْلِ منها، فقالت له: وَيحَكَ! بين شِدقَيك مثل جُثمان (¬5) الضفدع وأَنْتَ تَأمر بقتلي {إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 19] فضحك [معاوية] والجماعةُ، وخَجِل إياس. ثم قال لها معاويةُ: اخرجي عني، فلا أسمَعُ لك في الشامِ بذِكْرٍ. فقالت: واللهِ ما الشامُ لي بوطن، ولا يُعَرجُ عليَّ فيه (¬6) حميم ولا سَكَن، ولقد عَظُمَتْ فيه مُصيبتي، ولا قَرَّت به عَيني، وما أنا إليكَ بعائدة، ولا حيثُ كنتُ بحامدة. فقال معاوية: ابعثُوا إليها بما تقطعون به لسانَها عنّا، وتَتَوصَّلُ به إلى أهلها. فخرجت تقصد الكوفة، فلما بلغت إلى حمصَ ماتت.
¬__________
(¬1) يعني عبد الرحمن بن عبد الله الثقفي ابن أمّ الحكم، وينظر "أنساب الأشراف" 4/ 304.
(¬2) ينظر المصدر السابق 4/ 303 - 304.
(¬3) تاريخ دمشق ص 43 (تراجم النساء، طبعة مجمع دمشق). وينظر "أنساب الأشراف" 4/ 304، و"البداية والنهاية" 11/ 218.
(¬4) في "أنساب الأشراف": بنت سويد، وهو خطأ.
(¬5) رسمها في النسختين (ب) و (خ): حتان، والمثبت من "تاريخ دمشق" ص 44 (تراجم النساء، طبعة مجمع دمشق).
(¬6) في "تاريخ دمشق": ولا أُعرِّجُ فيه على ....

الصفحة 251