كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 7)

طُفاوة. فغضب زياد (¬1) وقال: ما الذي جرَّأك على الدُّعابة في مجلسي، فقال: نادرة حضرَتْ، فخفتُ أن تَفُوتَني، فقال: لا تَعُد لمثلها. وكان زياد يعظِّم قَدرَ حارثة الغُدَاني.
[وقال الأصمعي: ] وكان [حارثة] مُولعًا بشرب الخمر؛ دخلَ يومًا على زياد وفي وجهه أثر، فقال: ما هذا؟ فقال: ركبتُ الأشقر، فَجَمَحَ بي. فقال: أما إنك لو ركبتَ الأشْهبَ ما عرضَ لك. فحارثةُ كنى عن النبيذ، وزياد كنى عن اللبن (¬2).
[وقال العُتبيّ: وكان حارثة شريفًا شاعرًا، فقيل لزياد: ليس هذا من شاكلتك، إنه مسور يشرب الخمر (¬3)، ولا يَحْسُن بك أن تصحبه. فقال: كيف لا أصحبُ رجلًا ما سألتُه قطّ عن شيء إلا وجدتُ عنده علمًا منه، ولا مضى أمامي فاضطرني أن أُنادِيَه، ولا مشى (¬4) خلفي فاضطرني أن ألتفت إليه، ولا ركب معي فمسَّتْ ركبتُه ركبتي.
فلما وليَ عُبيد الله بن زياد البصرة بعد أبيه؛ اطَّرحَ حارثةَ وجفاه، فقال له حارثة: يا عُبيد الله، ما لك لا تُنزلُني المنزلة التي كان أبوك يُنزلُني إياها؟ ! فقال: إن أبي كان قد برع في الفضل بحيث أن لا يضرّه صحبة مثلك، وأنا حَدَث أخافُ أن تحرقني بنارك، فدع الشراب وكن أوَّلَ داخل عليّ وآخرَ خارج، فقال: أنا ما تركتُه لله، أتركُه لأجلك! قال: فاختر بلَدًا أو سُقْعًا أُولّيك إياه. فاختار سُقعًا من العراق يقال له: سُرَّق، فولّاه إيّاه، وسنذكره في سنة ست وتسعين. وقد رثى حارثة زيادًا] (¬5).
وكان زياد قد ضبطَ الأمور، فكان يقول: لو ضاعَ حَبْلٌ بيني وبين خُراسان لعرفتُ من أخَذَه (¬6).
¬__________
(¬1) الخبر بنحوه في "أنساب الأشراف" 4/ 230، وفيه: فضحك زياد، وبنحوه أيضًا في "العقد الفريد" 3/ 60، وفيه: فتبسم زياد. وهو الأشبه بسياق الكلام.
(¬2) العقد الفريد 2/ 462.
(¬3) كذا في (م) والكلام منها (وهو الواقع بين حاصرتين). وفي "العقد الفريد" 3/ 59: إنه يُعاقر الشراب.
(¬4) في (م): يمشي. والمثبت من "العقد الفريد" 3/ 59.
(¬5) ما بين حاصرتين من (م). وهو في "العقد الفريد" 3/ 59 - 60.
(¬6) العقد الفريد 5/ 7، وفيه: عرفتُ من آخذُ به، وورد معنى هذا الكلام في "أنساب الأشراف" 4/ 223 في خطبة زياد في مسجد الكوفة في مستهلّ ولايته عليها.

الصفحة 300