كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 7)

و [قال أبو اليقظان: ] كان معاوية قد جمع لزياد العراقيين سنة خمسين، وكان يَشْتُو بالبصرة، ويَصِيفُ بالكوفة، فيُقيم في كل مصرٍ ستةَ أشهر، فإذا خرج عن الكوفة (¬1) استنابَ عَمرو بنَ حُريث، وإذا خرجَ عن البصرة (¬2) استخلفَ سَمُرَةَ بنَ جُنْدُب، فيسفك الدماء (¬3). وسنذكره إن شاء الله تعالى (¬4).
ولقي رجلٌ زيادًا فقال: أيُّها الأمير، إن أبينا (¬5) مات، وإنَّ أخونا (¬6) تعدَّى على ميراثنا فأخذَه، فقال زياد: لا رَحِمَ اللهُ أباك، ولا حَفِظَ أخاك، ولا أَحسَنَ الخلافةَ عليك، ولقد ضَيَّعتَ من نفسك أكثرَ مما ضاع من مالِك.
ومرَّ زياد في موكبه برجل أعمى من بني مخزوم، فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: يا أبا العُريان -وكان يتكنَّى به- هذا زياد بنُ أبي سفيان. فقال: ما ولدُ أبي سفيان غيرُ فلان وفلان، ولرُبَّ بيت هدَمَه الله (¬7)، وعبدٍ رُدَّ إلى مواليه.
وبلغ معاويةَ، فكتبَ إلى زياد: اقْطع لسان أبا العُريان (¬8). فبعث إليه زياد بألف دينار، وقال للرسول: قُلْ له: ابنُ أخيك يُسلَّمُ عليك ويقول لك: استنفق من هذه حتى يأتيَكَ مثلُها.
فأخذها، ثم مرَّ عليه زياد، فوقف، فسلَّم فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: زياد. فبكى وقال: واللهِ واللهِ إني لأعرِفُ حَزْمَ أبي سفيان في منطقه ونُبْلِه.
¬__________
(¬1) في (م): البصرة، وهو خطأ.
(¬2) في (م): الكوفة، وهو خطأ.
(¬3) "طبقات" ابن سعد 9/ 98 - 99، و"أنساب الأشراف" 4/ 235، و 271.
(¬4) في (م): وسنذكر سمرة بن جندب في سنة ثمان وخمسين.
(¬5) كذا في النسختين (ب) و (خ)، و"أنساب الأشراف" 4/ 243، وتاريخ دمشق 6/ 500 (مصورة دار البشير، ترجمة زياد) وهو من لفظ الرجل اللاحن. ولم يرد الخبر في (م).
(¬6) كذا في (ب) و (خ)، وفي "أنساب الأشراف" و"تاريخ دمشق": أخينا، وكلاهما لحن. من أصل الخبر.
(¬7) في "أنساب الأشراف" 4/ 245: لربَّ أمر قد نقضه الله، وبيت قد هدمه الله.
(¬8) كذا في (ب) و (خ) والجادة: أبي العريان. ولم يرد الخبر في (م). وفي "أنساب الأشراف": اقطع لسان أعمى بني مخزوم.

الصفحة 303