كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 7)

وكان عبدُ الرحمن أَسَنَّ أولادِ أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنهما-، وكان من أشجع رجالِ قريش، وأرماهُم بسهم (¬1).
وكان رجلًا صالحًا فيه دُعابة، وكان جَوادًا؛ أتَتْهُ امرأةٌ من الأعراب، فقالت له: أتيتُك من شُقَّةٍ بعيدة، مُؤمِّلةً لمعروفك، تخفضُني خافضة، وترفعُني رافعة، في مُلِمَّاتٍ من البلاء، رَهَصْنَ (¬2) عظمي، وبَرَيْنَ لحمي، بَعُدَ المالُ والولدُ وكثرةُ العَدد والعُدد، فسألْتُ (¬3) أحياءَ العرب: مَنِ المأمولُ سَيْبُه، المأمونُ عَيْبُه؟ فدَلُّوني عليك، فإمَّا أَنْ تُحسِنَ صَفَدي، أو تُقِيمَ أَوَدِي (¬4)، أو تَرُدَّني إلى بلدي. فقال: لا، بل أجمعُهُنَّ لكِ. ففعل بها ذلك (¬5).
ذكر وفاته - رضي الله عنه -:
ومات بالحُبْشي (¬6)، فحُمل حتى دُفِنَ بمكَّة، وقَدِمَتْ عائشة - رضي الله عنها -[من المدينة] فأَتَتْ قبرَه، فوقَفَتْ عليه، وصَلَّتْ عليه، وتَمثَّلَتْ بهذين البيتين: وكنَّا كَنَدْمانَي جَذِيمة. . .
[وقد ذكرتُهما] (¬7).
ثم قالت: أما والله لو شهدتُك ما زُرْتُ قَبرَك، ولو شهدتُك ما حُمِلْتَ من حُبْشِي ميّتًا، ولَدُفِنْتَ مكانَك.
¬__________
(¬1) حقُّ هذه العبارة أن تتقدّم على خبر قتله محكم اليمامة المذكور قبلها كما في المصادر المذكورة.
(¬2) أي: أضْعَفْنَ. ووقع في (ب) و (خ): هضنَ، والمثبت من "التبيين في أنساب القرشيين" ص 311.
(¬3) في (ب) و (خ): فسلكت، والمثبت من "التبيين".
(¬4) السَّيبُ، والصَّفَد: العطاء، والأَوَد: الاعوجاج.
(¬5) رُويت هذه القصة أيضًا في عُبيد الله بن أبي بكرة، ورُوي نحوها أيضًا في عبيد الله بن العباس، ذكرهما ابنُ عساكر في "تاريخه" في ترجمتهما.
(¬6) في (م): قال ابن سعد بإسناده عن ابن أبي مليكة قال: مات عبد الرحمن بن أبي بكر بالحُبْشي. . . والكلام في "طبقات" ابن سعد 5/ 22.
(¬7) البيتان لمتمّم بن نُويرة من مرثيَة لأخيه مالك، وهما:
وكُنَّا كنَدْمانَي جَذِيمةَ حِقْبةً ... من الدهر حتى قيل لن يَتَصَدَّعا
فلمَّا تَفرَّقنا كأني ومالكًا ... لطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا
ينظر "طبقات" ابن سعد 5/ 22، و"المفضليات" ص 267، و"تاريخ دمشق" 41/ 38 - 39.

الصفحة 370