كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 7)

ناشئًا، وكَهْفُها كَهْلًا، يَفُكُّ عانِيَها (¬1)، ويَرِيشُ مُمْلِقَها (¬2)، ويَرْأَبُ شَعْبَها (¬3) حتى حَلِيَتْهُ قلوبُها، ثم اسْتَشْرى (¬4) في الله، فما بَرِحَتْ شَكِيمَتُه (¬5) في ذات الله حتى اتَّخَذَ بِفِنائِه مسجدًا يُحيي فيه ما أماتَ المُبْطِلُون.
وكان -واللهِ- غَزِيرَ الدَّمْعَة، وَقِيذَ الجواوح (¬6)، شَجِيَّ النشيج (¬7)، فانقصفت (¬8) إليه نِسوان مكَّة وولْدَانها يسخرون منه، [ويستهزئون به] {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] فأَكْبَرَت ذلك رجالاتُ قُريش، فحَنَتْ له قِسِيَّها، وفَوَّقَتْ له سهامَها (¬9)، وانتثلوا (¬10) غَرَضًا، فما فلُّوا (¬11) له صَفاةً (¬12)، ولا قَصَفُوا له قناةً، ومرَّ
¬__________
= ومَنْ عصاكَ فعاقِبْهُ مُعاقبةً ... تَنهى الظَّلومَ ولا تقعد على ضَمَدِ
إلا لمثلكَ أو مَنْ أنت سابقُهُ ... سَبْقَ الجوادِ إذا استولى على الأمدِ
(¬1) العاني: الأسير.
(¬2) أي: يُعينُ فقيرَها، ويُعطيه المال، ويُصلح حاله.
(¬3) أي: يجمعُ مُتَفَرِّقَها.
(¬4) أي: احتدَّ.
(¬5) الشكيمة: الأَنَفَة والحميَّة، ووقع في (ب) و (خ): شيمته، والمثبت من "غريب الحديث" لابن قتيبة 2/ 274، و"العقد الفريد" 4/ 262، و"الفائق" 2/ 113. ولم يرد الخبر في (م).
(¬6) قال ابن الجوزي في "صفة الصفوة" 2/ 35: الوَقِيذ: العليل، والجوارح معروفة، وفي رواية: الجوانح، وهي الضلوع القصار التي تقرب من الفؤاد. قلت: وهي عند ابن قتيبة في "غريب الحديث" 2/ 174، والزمخشري في "الفائق" 2/ 113.
(¬7) قال ابن الجوزي: الشجيُّ: الحزين، والنشيج: صوت البكاء.
(¬8) أي: اجتمعت وازدحمت. ووقع في (ب) و (خ): فانقضت، والمثبت من "صفة الصفوة" 2/ 34 (ورواية المصنف أقرب إليه). وفي "غريب الحديث" لابن قتية 2/ 174، و"الفائق" 2/ 113: فانصفقت. قال ابن قتيبة والزمخشري: وفي رواية: فأصفقت. وهي في "العقد الفريد" 4/ 262، والمعنى متقارب.
(¬9) فوَّق السهمَ: عمل له فُوقًا. والفُوق السهم: حيت ثبت الوتر منه، وهما فُوقان، وتحرفت اللفظة في (ب) و (خ) إلى: فرقت.
(¬10) قال ابن الجوزي في "صفة الصفوة" 2/ 35: مأخوذ من النَّثْلة، وهي الجُعبة، ولم تجوّد الكلمة في النسختين (ب) و (خ)، والكلام ليس في (م).
(¬11) أي: كسروا، وتحرفت الكلمة في (ب) و (خ) إلى: فكوا.
(¬12) الصَّفاة: الصخرة الملساء.

الصفحة 413