كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 7)

على سِيسائه (¬1)، حتى إذا ضربَ الدينُ بِجِرانِه، وألقى بَرْكَهُ (¬2)، ورَسَتْ أوْتادُه، ودخلَ الناسُ فيه أفواجًا، ومن كلِّ فِرْقةٍ أرْسالًا وأشتاتًا، اختارَ الله لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - ما عنده، فقبضَه إليه، فلما [قُبِضَ - صلى الله عليه وسلم -]، نَصبَ الشيطانُ رُواقَه، ومَدَّ طُنُبَهُ (¬3)، ونَصَبَ حَبائلَه، فظنَّ رجالٌ أنْ قد تَحقَّقَتْ أطماعُهم، ولاتَ (¬4) حين الذي يرجون، وأَنَّى والصِّدِّيقُ بين أظهرهم! فقامَ حاسرًا مُشَمِّرًا، فجمعَ حاشيتَه، ورفعَ قُطْرَيه (¬5)، فرَدَّ نَشْرَ الإسلام على غَرْبِه (¬6)، ولَمَّ شَعْثَهُ بِطَيِّهِ، وأقامَ أوَدَهُ بثِقافِهِ (¬7)، فانْدَفَن (¬8) النِّفاقُ بوطأته، وانتاشَ الدينَ بنَعْشِه (¬9)، فلمَّا أراحَ الحقَّ إلى أهله، وقرَّر الرؤوسَ على كواهلها، وحَقَنَ الدِّماءَ في أُهُبِها؛ أَتَتْه مَنِيَّتُه، فَسَدَّ ثُلْمتَه بنظيره في المَرْحَمة (¬10)، وشَقِيقِه في السِّيرة والمَعْدَلَة، ذلك عمر بن الخطاب، فللَّهِ دَرُّ أُمٍّ حَمَلَتْ به (¬11)، ودَرَّتْ عليه، لقد أوْحَدَتْ به (¬12)،
¬__________
(¬1) أي: على شدِّه. قاله ابن الجوزي في "صفة الصفوة". 2/ 35. وقال الفيروزآبادي: حمله على سيساء الحق، أي: على حدّه.
(¬2) قال ابن الجوزي: الجِران: الصدر، وهو البَرْك.
(¬3) الطُّنُبُ: حبل الخِباء، ووقع في (ب) و (خ): طرفيه، والمثبت من المصادر.
(¬4) رسمت الكلمة في (ب) و (خ): الان؛ والمثبت من المصادر.
(¬5) القُطر والحاشية: الجانب، وضمُّ القطرين عبارة عن التحزّم والتشمّر للأمر.
(¬6) في (ب) و (خ): غرب. والمثبت من "صفة الصفوة" 2/ 34. قال ابن الجوزي: الصواب: على غرِّه، أي: على طيِّه.
(¬7) الأوَد: العِوَج، والثِّقاف: تقويم الرماح وغيرها. قا له ابن الجوزي.
(¬8) كذا في (ب) و (خ)، وفي "صفة الصفوة": اندفر، ولعلهما محرَّفتان عن لفظة: ابْذَقَرَّ، أي: تفرَّق وتبدَّد، وبهذا المعنى شرحها ابن الجوزي في "صفة الصفوة". ووقع في "غريب الحديث" 2/ 174، و"العقد الفريد" 4/ 263، و"الفائق" 2/ 113: ابْذَعَرَّ. وهما بمعنى.
(¬9) قال ابن الجوزي في "صفة الصفوة" 2/ 36: انتاشَ الدينَ، أي: أزال عنه ما يُخاف عليه، ونعَشَه: رفَعَه.
(¬10) في (خ): الوجه، والمثبت من المصادر، وهذه العبارة ليست في (ب)، والخبر ليس في (م).
(¬11) كذا في (ب) و (خ)، و"صفة الصفوة" 2/ 34. وفي "غريب الحديث" 2/ 175، و"العقد الفريد" 4/ 263، و"الفائق" 2/ 113: حفلت له. قال الزمخشري: أي: جمعت اللبن في ثديها.
(¬12) قال الزمخشري في "الفائق" 2/ 116: أي: جاءت به واحدًا بلا نظير. . . يقال: أوحده الله، أي: جعله منقطع المثل.

الصفحة 414