كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 7)

2570 - ز- حدثنا أبو الأزهر (¬1)، حدثنا وهب بن جرير (¬2)، حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق (¬3)، يحدِّث عن يعقوب بن عتبة (¬4)، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم (¬5)، عن أبيه، عن جده، قال: "جاء أعرابي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! هلكت (¬6) الأنفس، وجاع
-[71]- العيال، وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: سبحان الله! سبحان الله! فما زال يسبح حتى عُرِفَ ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك!! أتدري ما الله؟ إن شأنه أعظم من ذاك، إنه لا يستشفع به على أحد، إنه لفوق سماواته على عرشه، وإنه عليه لهكذا -وأشار وهب بيده: مثل القبة عليه، وأشار أبو الأزهر (¬7) أيضًا- إنه ليئط (¬8) به أطيط الرَّحل بالراكب" (¬9).
¬_________
(¬1) أحمد بن الأزهر بن منيع، العبدي، النيسابوري.
(¬2) ابن حازم، الأزدي البصري.
(¬3) ابن يسار، أبو بكر المطلبي مولاهم المدني، نزيل العراق.
(¬4) ابن المغيرة الثقفي.
(¬5) القرشي النوفلي، المدني، لم يوثقه إلا ابن حبان. وقال فيه الحافظ: مقبول.
انظر: الثقات (6/ 148)، تهذيب الكمال (4/ 504)، تقريب (902).
(¬6) في (م): "هدّت". أي: ضعفت، ووهنت. انظر: لسان العرب (3/ 432).
(¬7) (م 2/ 68 / أ).
(¬8) الأطيط: صوت الأقتاب، وأطيط الإبل أصواتها وحنينها، ومنه حديث "العرش على منكب إسرافيل، وإنه ليئط أطيط الرحل ... الحديث". أي أنه ليعجز عن حمله وعظمته، إذ كان معلومًا أن أطيط الرَّحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه، وعجزه عن احتماله. انظر: النهاية (1/ 54).
(¬9) أخرجه أبو داود (السنن 5/ 94) كتاب السنة -باب: في الجهمية- ح 4726، وعثمان الدارمي في الرد على الجهمية (ص 41 - ح 71)، وابن خزيمة في التوحيد (1/ 239)، وابن أبي عاصم في السنة (ح 575، 576)، ومحمد بن أبي شيبة في العرش (ص 56 - ح 11)، والطبراني في معجمه الكبير (2/ 128)، ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (4/ 505).
ورواه الآجري في الشريعة (ص 293)، والدارقطني في الصفات (ص 50)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 395 - ح 656)، وابن عبد البر في التمهيد (7/ 141)، ومن طريق المصنف أخرجه البغوي في شرح السنة (1/ 160)، والذهبي في العلو (ص 37). كلهم من طرق عن وهب بن جرير به.
وقد اختلف في إسناده: فرواه عبد الأعلى بن حماد وابن المثنى ومحمد بن بشار وقالوا: =
-[72]- = عن يعقوب بن عتبة وجبير به.
وخالفهم جماعة منهم أحمد بن سعيد الرباطي وابن المديني وابن معين ومحمد بن يزيد الواسطي فرووه بالإسناد المذكور عند المؤلّف (عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن مطعم ...).
وقد رجح الحفاظ رواية الأكثرين، قال أبو داود: "والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح، وافقه عليه جماعة منهم: يحيى بن معين، وعلي بن المديني، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضا، وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني". السنن (5/ 96).
وكذلك رجحها الدارقطني في الصفات (ص 53)، وتبعه المزي في تهذيب الكمال (4/ 506)، والذهبي في العلوّ (ص 38).
والحديث فيه جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، وتقدم أنه لم يوثقه سوى ابن حبان، وقال الحافظ: "مقبول" أي حيث يتابع، وإلا فلين الحديث.
وفيه أيضا: ابن إسحاق مدلس، من الرابعة، كما في تعريف أهل التقديس (ص 168)، وقد قال أبو بكر البزار في المسند (8/ 352): "هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجه من الوجوه، إلا من هذا الوجه، ولم يقل فيه محمد بن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة".
وقد تفرد به يعقوب، وتفرد به ابن إسحاق عنه كما قاله الحافظ أبو القاسم بن عساكر. انظر: مختصر سنن أبي دواد للمنذري (7/ 97 - 99).
وهذا الحديث قال عنه الذهبي في العلو (ص 39): "حديث غريب جدًّا فردٌ"، وكذا استغربه ابن كثير في تفسيره (1/ 317)، ولابن عساكر جزء فيه سماه: "تبيان الوهم والتخليط الواقع في حديث الأطيط". كما في كشف الظنون (1/ 340) ولم أقف عليه.
-[73]- = فإسناد هذا الحديث ضعيف، ومعناه صحيح، تشهد لألفاظه الأحاديث الأخرى؛ فصفة الاستواء المذكورة فيه ثابتة بنصوص شرعية من الكتاب والسنة، ولفظ الأطيط جاء في حديث عمر -رضي الله عنه- قال: "أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- امرأة، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، فعظّم أمر الربّ، ثم قال: إنّ عرشه -أو كرسيه- وسع السموات والأرض، وإنه يجلس عليه فما يفصّل منه إلّا قدر أربع أصابع -أو ما يفصّل منه إلَّا قدر أربع أصابع-، وإنّه ليئطّ به أطيط الرّحل الجديد براكبه".
وقد نبّه على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كلامه على حديث جبير بن مطعم -رضي الله عنه- حيث قال: "وابن عسكر عمل فيه جزءًا، وجعل عمدة الطعن في ابن إسحاق، والحديث قد رواه علماء السنة، كأحمد، وأبي داود، وغيرهما؛ وليس فيه إلّا ما له شاهد من رواية أخرى ... ".
وحديث عمر -رضي الله عنه- السابق ذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 317) واستغربه، وهو مروي من طريق أبي إسحاق السبيعي عن عبد الله بن خليفة عن عمر -رضي الله عنه-. وعبد الله بن خليفة لم يوثقه غير ابن حبان (الثقات: 5/ 28). وقال فيه ابن كثير: "ليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر، ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عن عمر مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها".
وقد حكى شيخ الإسلام خلاف أهل الحديث في حديث خليفة، ثم نقل قبوله عن أكثر أهل السنة. وتبع ابن القيم شيخه فيما ذكره، فقوى حديث الأطيط وأطال فيه، وقد ضعّف الحديث من المتأخرين العلّامة الألباني -رحمه الله- كما في ظلال الجنة في تخريج السنة (1/ 252). وانظر: مجموع الفتاوى (16/ 434)، وتهذيب مختصر سنن أبي داود (7/ 94).

الصفحة 70