كتاب البداية والنهاية ط الفكر (اسم الجزء: 7)

إني لأذكره يوما فأحسبه ... أو في الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا
وَأَمَّا صَاحِبُ مُعَاوِيَةَ- وَهُوَ الْبُرَكُ- فَإِنَّهُ حَمَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ خَارِجٌ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، وَقِيلَ بِخِنْجَرٍ مَسْمُومٍ فَجَاءَتِ الضَّرْبَةُ فِي وَرْكِهِ فَجَرَحَتْ أَلْيَتُهُ وَمُسِكَ الْخَارِجِيُّ فَقُتِلَ، وَقَدْ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: اتْرُكْنِي فَإِنِّي أُبَشِّرُكَ بِبِشَارَةٍ، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي قَدْ قَتَلَ في هذا اليوم عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: فَلَعَلَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، قَالَ: بَلَى إِنَّهُ، لَا حَرَسَ معه، فأمر به فقتل، وجاء الطبيب فقال لمعاوية: إِنَّ جُرْحَكَ مَسْمُومٌ فَإِمَّا أَنْ أَكْوِيَكَ وَإِمَّا أَنْ أَسْقِيَكَ شَرْبَةً فَيَذْهَبُ السُّمُّ وَلَكِنْ يَنْقَطِعُ نَسْلُكَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَّا النَّارُ فَلَا طَاقَةَ لِي بِهَا، وَأَمَّا النَّسْلُ فَفِي يَزِيدَ وَعَبْدِ اللَّهِ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنِي. فَسَقَاهُ شَرْبَةً فبرأ من ألمه وجراحة واستقل وسلم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَمِنْ حِينَئِذٍ عُمِلَتِ الْمَقْصُورَةُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَجُعِلَ الْحَرَسُ حَوْلَهَا فِي حَالِ السُّجُودِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَهَا مُعَاوِيَةُ لِهَذِهِ الْحَادِثَةِ.
وَأَمَّا صَاحِبُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ- وَهُوَ عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ- فَإِنَّهُ كَمَنَ لَهُ لِيَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَاتَّفَقَ أَنْ عَرَضَ لِعَمْرِو بن العاص مغص شديد في ذلك اليوم فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا نَائِبُهُ إِلَى الصَّلَاةِ- وَهُوَ خَارِجَةُ بْنُ أَبِي حَبِيبَةَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الْخَارِجِيُّ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَعْتَقِدُهُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَلَمَّا أَخَذَ الْخَارِجِيُّ قَالَ: أَرَدْتُ عَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ خَارِجَةَ، فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا، وقتل قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الَّذِي قَالَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَذَلِكَ حِينَ جِيءَ بِالْخَارِجِيِّ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا قَتَلَ نَائِبَكَ خَارِجَةَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا مَاتَ صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْحَسَنُ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ وَدُفِنَ بِدَارِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الْخَوَارِجِ أَنْ يَنْبُشُوا عَنْ جُثَّتِهِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ حُمِلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فذهبت به فلا يدرى أين ذهب فَقَدْ أَخْطَأَ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَلَا يُسِيغُهُ عَقْلٌ وَلَا شَرْعٌ، وَمَا يَعْتَقِدُهُ كَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ الرَّوَافِضِ مِنْ أَنَّ قَبْرَهُ بِمَشْهَدِ النَّجَفِ فَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا أَصْلَ لَهُ، وَيُقَالُ إِنَّمَا ذَاكَ قَبْرُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْحَافِظِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الطَّلْحِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ الْحَافِظِ عن مطر أَنَّهُ قَالَ: لَوْ عَلِمَتِ الشِّيعَةُ قَبْرَ هَذَا الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ بِالنَّجَفِ لَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، هَذَا قَبْرُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بكر ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ كَمْ كَانَ سِنُّ عَلِيٍّ يَوْمَ قُتِلَ؟ قَالَ: ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً. قُلْتُ: أَيْنَ دُفِنَ؟ قَالَ: دفن بالكوفة ليلا وقد غبي عن دَفْنُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّهُ كان عمره ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عَلِيًّا دُفِنَ قِبْلَيَّ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ مِنَ الْكُوفَةِ. قَالَهُ الواقدي، والمشهور بدار الامارة. وَقَدْ حَكَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ حَوَّلَاهُ فَنَقَلَاهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَفَنَاهُ بِالْبَقِيعِ

الصفحة 329

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text