كتاب توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (اسم الجزء: 7)

وتقبيح أحوالهم؛ لأنه لا يعلم سر الله في خلقه، قالوا: فأما من قال ذلك تحزنًا لِمَا يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس عليه ... وقال الخطابي: معناه: لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم، ويقول: فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم، أي: أسوأ حالًا منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم، والله أعلم)) (¬١).
فلا ينبغي للإنسان أن يقول: هلك الناس، بل ينبغي أن يقول: كثر الهلاك في الناس، أو هلك كثير من الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: ((أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ ! قال: ((نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ)))) (¬٢)، وكما في قوله تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون}، وقوله تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يشكرون}، وقوله تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} فالأكثر هالكون، وليس كل الناس هالكين، بل تبقى طائفة على الحق، كما في الحديث: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ)) (¬٣)، والطائفة الناجية ليست هالكة، وهم أهل السنة والجماعة أهل الحق، فلا يقال: هلك الناس كلهم.
---------------
(¬١) شرح مسلم، للنووي (١٦/ ١٧٥).
(¬٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠).
(¬٣) أخرجه مسلم (١٠٣٧).

الصفحة 394