كتاب توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم (اسم الجزء: 7)
والقرب الخاص نوعان: قرب من الداعين بالإجابة، وقرب من العابدين بالكتابة.
فالقرب من الداعين بالإجابة: كقوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب}، ومثل ما ثبت في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في الصحيحين، قال: ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكُنَّا إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى وَادٍ، هَلَّلْنَا وَكَبَّرْنَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّه)) (¬١)، وكقوله سبحانه- في قصة نبي الله صالح-: {وإلى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب}، فهو قريب مجيب من المستغفرين التائبين، كما أنه رحيم ودود بهم، كما قال- في قصة شعيب-: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود}.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: )) فقوله: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} هو قرب ذوات الملائكة، وقرب علم الله؛ فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد؛ فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إلى بعضه من بعض؛ ولهذا قال- في تمام الآية-: {إذ يتلقى المتلقيان}، فقوله: {إذ} ظرف، فأخبر أنهم أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان ما يقول، فهذا كله خبر عن الملائكة، وقوله: {فإني قريب}، وقوله ((وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ)) (¬٢) فهذا إنما جاء في الدعاء، ولم يذكر أنه قريب من العباد في كل حال، وإنما ذكر ذلك في بعض الأحوال، كما في الحديث: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ)) (¬٣) ونحو ذلك.
---------------
(¬١) أخرجه البخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤).
(¬٢) أخرجه أحمد (١٩٥٩٩).
(¬٣) أخرجه مسلم (٤٨٢).