كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 7)

وفي غيرِ هذا الحديثِ: إنَّ طعامهُم ما لَمْ يُذكَرِ اسمُ الله عليه، وما لَمْ يُغسل من الأيدي والصِّحافِ، وشرابُهمُ الجَدَفُ (¬١). وهي الرَّغوةُ والزَّبدُ.
وهذه أشياءُ لا تُدركُ بعَقْلٍ، ولا تُقاسُ على أصلٍ، وإنَّما فيها التَّسليمُ لمن آتاهُ الله من العِلم ما لَمْ يُؤتِنا، وهُو نبيُّنا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وفي هذا الحديثِ، حديثِ ابن عُمر المذكُورِ في هذا البابِ ما يرفعُ الإشكال، قولُهُ: "إنَّ الشَّيطانَ يأكُلُ بشِمالِهِ، ويشربُ بشِمالِهِ". ويُحتملُ أن يكونَ الجِنُّ كلُّهُم يأكُلُونَ ويشربُونَ، ويُحتملُ أن يكونَ كذلك بعضُهُم جِنسٌ منهُم.
وحَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن عبدِ السَّلام الخُشنيُّ، قال: حَدَّثَنَا المُسيَّبُ بن واضِح السُّلميُّ، قال: حَدَّثَنَا الحكمُ بن محمدٍ الطَّبَريُّ (¬٢)، عن عبدِ الصَّمدِ بن مَعْقِلٍ، قال: سمِعتُ وَهْب بن مُنبِّهٍ يقولُ، وسُئلَ عن الجِنِّ ما هُم، وهل يأكُلُونَ ويشربُونَ، ويمُوتُونَ، ويتناكحُونَ؟ قال: هُمْ أجْناسٌ، فأمّا الذين هُم خالِصُ الجِنِّ، فهُم ريحٌ لا يأكُلُونَ، ولا يَشْربُونَ، ولا يتوالدُونَ، ومنهُم أجْناسٌ يأكُلُونَ ويشربُونَ، ويَتَناكحُونَ ويتوالدُونَ، ويمُوتُون، ومنهُمُ السَّعالى، والغُولُ، والقطُربُ، وأشباهُ ذلكَ (¬٣).
فهذا وَهْبُ بن مُنبِّهٍ قد قال ما تري، واللّه أعلمُ.
---------------
(¬١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٧٥٥)، والبيهقي في الكبرى ٧/ ٤٤٥، من قول ابن أبي ليلي، في قصة طويلة.
(¬٢) في م: "الطفوي" خطأ. وهو أبو مروان الحكم بن محمد الطبري. انظر: الأنساب ٤/ ٢٣، وتهذيب الكمال ٧/ ١٣٣.
(¬٣) أخرجه الطبري في تفسيره ١٧/ ١٠٠، وأبو الشيخ في العظمة (١٠٨٣) من طريق عبد الصمد، به. وانظر: فتح الباري للحافظ ابن حجر ٦/ ٣٤٥.

الصفحة 266