كتاب تاريخ ابن خلدون (اسم الجزء: 7)

جسر يعبر، ومتاع لا يغبط من حبي ولا يحبر [1] ، إنّما هو خبر يخبر، وأن الحسرة بمقدار ما على تركه يجبر، وأنّ الأعمار أحلام، وأنّ النّاس نيام، وربما رحل الرّاحل عن الخان [2] ، وقد جلّله بالأذى والدّخان، أو ترك به طيبا، وثناء يقوم بعد للآتي خطيبا، فجعلنا العدل في الأمور ملاكا [3] ، والتفقّد للثّغور مسواكا، وضجيع المهاد، حديث الجهاد، وأحكامه مناط الاجتهاد، وقوله:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ» 61: 10 [4] من حجج الاستشهاد، وبادرنا رمق [5] الحصون المضاعة وجنح [6] التّقيّة [7] دامس [8] ، وعواريها [9] لا تردّ يد لامس [10] ، وساكنها بائس، والأعصم [11] في شعفاتها [12] من العصمة يائس، فزيّنّا ببيض الشّرفات ثناياها، وأفعمنا بالعذب الفرات ركاياها [13] وغشّينا بالصّفيح المضاعف أبوابها، واحتسبنا عند موفي الأجور ثوابها، وبيّضنا بناصع الكلس أثوابها، فهي اليوم توهم حسّ العيان، أنها قطع من بيض العنان [14] ، وتكاد تناول قرص البدر بالبنان، متكفّلة للمؤمنين من فزع الدّنيا والآخرة بالأمان، وأقرضنا الله قرضا، وأوسعنا مدوّنة الجيش [15] عرضا، وفرضنا إنصافه مع الاهلّة فرضا، واستندنا من التّوكل على الله الغنيّ الحميد إلى ظلّ لواء، ونبذنا إلى الطّاغية
__________
[1] يخبر ينعم ويسر ويكرم.
[2] الخان المكان الّذي ينزله المسافرون، وهو الفندق.
[3] ملاك الأمر: ما يقوم به ذلك الأمر.
[4] يشير الى الآيات (10- 13) من سورة الصف.
[5] الرمق: بقية الحياة والروح. وفي الكلام تجوز.
[6] جنح الطريق: جانبه، وجنح القوم: ناحيتهم.
[7] التقية: التحفظ.
[8] ليل دامس: مظلم.
[9] جمع عارية، وهي المتجردة من الثياب. والعورات: الخلل في الثغر وغيره، يتخوف منه في الحروب.
[10] يقال للمرأة التي تزني: لا ترديد لامس، أي لا ترد من يريدها عن نفسها.
[11] الأعصم: الوعل، وعصمته: بياض في رجله.
[12] الشعفات، جمع شعفة، وهي رءوس الجبال.
[13] جمع ركية وهي البئر.
[14] العنان: السحاب.
[15] يريد الجيش الرسمي الّذي كان مدونا في سجلات الدولة. وفي مقدمة الإحاطة 1/ 19، 36 وصف للجيش الأندلسي، وسلاحه، وأقسامه، وذكر لمقدار ما كان يأخذه كل شهر.

الصفحة 607