كتاب الطبقات الكبرى ط دار صادر (اسم الجزء: 7)
، وَيُحْسِنُ الْعَوْمَ وَالرَّمْيَ، وَكَانَ مَنْ أَحْسَنَ ذَلِكَ سُمِّيَ الْكَامِلَ، وَشَهِدَ سَعْدٌ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَكَانَ سَيِّدَا جَوَّادًا، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَكَانَ تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ إِلَى بَدْرٍ، وَيَأْتِي دُورَ الْأَنْصَارِ يَحُضُّهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ، فَنُهِشَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «لَئِنْ كَانَ سَعْدٌ لَمْ يَشْهَدْهَا لَقَدْ كَانَ عَلَيْهَا حَرِيصًا» وَشَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ أُحُدًا، وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَمَعَهُمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَتَشَاوَرُوا فِي الْبَيْعَةِ لَهُ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَاهُمْ وَمَعَهُمَا نَاسٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينِ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ كَلَامٌ وَمُحَاوَرَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: ابْسُطْ يَدَكَ فَبَايَعَهُ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَلَمْ يُبَايِعْهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَتَرَكَهُ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، وَوَلِيَ عُمَرُ، فَلَمْ يُبَايِعْ لَهُ أَيْضًا، فَلَقِيَهُ عُمَرُ ذَاتَ يَوْمٍ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِيهِ يَا سَعْدُ، إِيهِ يَا سَعْدُ فَقَالَ سَعْدٌ: إِيهِ يَا عُمَرُ فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ صَاحِبُ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَقَالَ سَعْدٌ: نَعَمْ، أَنَا ذَلِكَ، وَقَدْ أَفْضَى اللَّهُ إِلَيْكَ هَذَا الْأَمْرَ، وَكَانَ وَالِيهِ صَاحِبُكَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْكَ، وَقَدْ وَاللَّهِ أَصْبَحْتُ كَارِهًا لِجِوَارِكَ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ مَنْ كَرِهَ جَارًا جَاوَرَهُ تَحَوَّلَ عَنْهُ فَقَالَ سَعْدٌ: أَمَا إِنِّي غَيْرُ مُسْتَسِرٍّ بِذَلِكَ، وَأَنَا مُتَحَوِّلٌ إِلَى جِوَارِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ جِوَارِكَ قَالَ: فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى خَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى الشَّامِ، فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «§تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بِحُورَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ لِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: كَأَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَمَا عُلِمَ بِمَوْتِهِ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى سَمِعَ غِلْمَانٌ فِي بِئْرِ مُنَبِّهٍ أَوْ بِئْرِ سَكَنٍ وَهُمْ يَمْتَحُونَ نِصْفَ النَّهَارِ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ قَائِلًا يَقُولُ:
[البحر السريع]
-[391]-
قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ ... سَعْدَ بْنَ عُبَادَةْ
رَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ ... فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهْ
فَذُعِرَ الْغِلْمَانُ، فَحُفِظَ ذَلِكَ الْيَوْمُ فَوَجَدُوهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَعْدٌ، وَإِنَّمَا جَلَسَ يَبُولُ فِي نَفَقٍ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَجَدُوهُ قَدِ اخْضَرَّ جِلْدُهُ
الصفحة 390