كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، وهو الشعلة من النار، فلا يخطئ أبدًا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله فيصير غولا يضل الناس في البراري، وهذا لم يكن ظاهرًا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكره أحد قبل زمانه، وإنما ظهر في بدئ أمره، وكان ذلك أساسًا لنبوته.
__________
حجب من السبع، محمول على ما بعد ولادة عيسى، بدليل تفصيل ابن عباس المذكور، "فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، وهو الشعلة من النار" التي تشبه النجم المنقض، وبهذا جزم البيضاوي، ويأتي أنهم كانوا يرمون بنفس النجوم، "فلا يخطئ أبدًا" من حيث الإصابة، وإن كان قد يتخلف الإحراق، كما بينه بقوله: "فمنهم من يقتله" فيموت حريقًا، "ومنهم من يحرق وجهه" ولا يموت، "ومنهم من يخبله" بضم التحتية، وفتح الخاء المعجمة، وشد الباء أبلغ من فتح الياء، وسكون الخاء، وكسر الباء، أي: يفسد عقله أو عضوه، "فيصير غولا" أي: شيطانًا "يضل الناس في البراري" وفي الحديث: "إذا تغولت لكم الغيلان، فنادوا بالأذان".
وفي البغوي: فاتبعه شهاب ثاقب، كوكب مضيء لا يخطئه فيقتله أو يحرقه أو يخبله، وإنما يعودون إلى استراق السمع، مع علمهم أنهم لا يصلون إليه طمعًا في السلامة، ونيل المراد، كراكب البحر، قال عطاء: سمي النجم الذي يرمى به ثاقبًا؛ لأنه يثقبهم.
وفي البيضاوي: والشهاب ما يرمى به؛ كأنه كوكب انقض، وما قيل أنه بخار يصعد إلى الجو فيشتغل، فتخمين إن صح لم يناف ذلك، إذ ليس فيه ما يدل على أنه ينقض من الفلك، ولا ينافي قوله: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} الآية، فإن كل نير يحصل في الجو العالي، فهو مصباح لأهل الأرض، وزينة للسماء من حيث إنه يرى كأنه على سطحه، ولا يبعد أن يصير الحادث بما ذكر في بعض الأوقات رجمًا للشياطين، يتصعد إلى قرب الفلك للسمع، وما روي أن ذلكم حدث بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم إن صح، فلعل المراد كثرة وقوعه أو مصيره دحورًا، واختلف في أن المرجوم يتأذى به فيرجع أو يحرق به، لكن قد يصيب الصاعد مرة وقد لا يصيب كالموج لراكب السفينة ولذلك لا يرتدعون عنه رأسًا، ولا يقال: إن الشيطان من النار لا يحترق لأنه ليس من النار الصرف، كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص، مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها، انتهى، ولعل قوله: قد يصيب وقد لا، معناه: قد يحترق وقد لا، فلا خلف، "وهذا" أي: الرمي بالشهب "لم يكن ظاهرًا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكره أحد قبل زمانه، وإنما ظهر في بدء أمره، وكان ذلك أساسًا لنبوته" وفيه إفادة أنه كان موجودًا، لكنه قليل بالنسبة لزمنه، فلا يخالف قوله: "وقال معمر" بن

الصفحة 202