كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)
فالكلم جمع كلمة، وكلمات الله لا تنفذ، فالكلمة منه كلمات، ولما علم جوامع الكلم أعطي الإعجاز بالقرآن الذي هو كلام الله تعالى، وهو المترجم عن الله تعالى. فوقع الإعجاز في الترجمة التي هي له، فإن المعاني المجردة عن المواد لا يتصور الإعجاز بها، وإنما الإعجاز ربط هذه المعاني بصور الكلم القائم من نظم الحروف، فهو لسان الحق وسمعه وبصره.
ومنها: أنه بعث إلى الناس كافة، قال بعضهم: وهو من الكفت، وهو الضم،
__________
وقال صلى الله عليه وسلم: "أعطيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه"، رواه الطبراني وغيره، "فالكلم جمع كلمة" في أحد الأقوال، وقيل: اسم جمع، وقيل: اسم جنس إفرادي يطلق على القليل والكثير، لكن خصه الاستعمال بالثلاثة فما فوق، والمختار أنه اسم جنس جمعي، يجوز في ضميره التذكير على الأصل، وهو الأكثر، نحو: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} الآية، والتأنيث ملاحظة للجمعية.
"وكلمات الله لا تنفذ" بفتح التاء والفاء، كما في التنزيل لا تفنى ولا تنقطع، وكأنه جعل هذا جواب سؤال، هو: هل تنحصر جوامع كلمة؟ فأجاب: لا تحصر، بل متى أرادها قدر عليها، لأنها من كلمات، الله ولا تنفد؛ "فالكلمة منه كلمات، ولما علم جوامع الكلم أعطي الإعجاز بالقرآن الذي هو كلام الله تعالى، وهو" أي: القرآن "المترجم" المبين، الكاشف "عن" الصفة القديمة، القائمة بذات "الله" حيث دل عليه، فتسميته مترجمًا، مجاز، علاقته المشابهة، فالترجمة تفسير كلام الغير بلسان آخر، ويحتمل أن ضمير هو للنبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر الأول؛ لقوله: "فوقع الإعجاز" ذ هو إنما وقع في القرآن "في الترجمة التي هي له" أي: في الكلمات التي وقع التعبير بها على المعاني القائمة بذاته, حيث وقعت على أسلوب يعجز البشر عن الإتيان بمثله، "فإن المعاني المجردة عن المواد" جمع مادة، أي: الألفاظ التي تؤدي بها المعاني، إذ مادتها الألفاظ، لأنها قوالب المعاني، كأنها صبت فيها كالقالب "لا يتصور الإعجاز بها، وإنما الإعجاز ربط هذه المعاني بصور الكلم القائم من نظم الحروف" وهذا تعليل لكون الإعجاز بالكلمات المعبر بها عن المعاني، لا بالمعاني أنفسها، "فهو" أي القرآن "لسان الحق" لأنه المبين للمعاني القائمة به، المعبر عنها بالكلمات، "وسمعه وبصره" لأنه المبين للمسموعات والمبصرات.
"ومنها: أنه بعث إلى الناس كافة" أي: كلهم، ولا تقل الكافة، لأنها تدخل أل، ووهم الجوهري، فأدخل أل؛ كما في القاموس.
"قال بعضهم: وهو" مأخوذ "من الكفت، وهو الضم" للمناسبة بينهما، والكفت يتعدى