كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

قال الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} [المرسلات: 25] ، أي: تضم الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها، كذلك ضمت شريعته صلى الله عليه وسلم جميع الناس، فلا يسمع به أحد إلا لزمه الإيمان به، ولما سمع الجن القرآن يتلى قالوا: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ} [الأحقاف: 31] الآية، فضمت شريعته الإنس والجن، وعمت رحمته التي أرسل بها للعالم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، فمن لم تنله رحمته فما ذاك من جهته، وإنما ذلك من جهة القابل. فهو كالنور الشمسي أفاض شعاعه.
__________
بنفسه، وبإلى، قال المجد: كفته يكفته، صرفه عن وجهه فانكفت، والشيء إليه ضمه وقبضه ككفته.
"قال الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا} الآية، أي: تضم الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها" فكفاتًا بمعنى كافتة اسم لما يكفت، أي: يضم ويجمع؛ كما في البيضاوي: قال: أو مصدر نعت به، أو جمع كافت، كصائم وصيام، أو كفت، وهو الوعاء أجري على الأرض، أي: أطلق عليها باعتبار أقطارها، انتهى، فعلى الأخيرين أطلق كفاتًا على الأض من حيث جعل كل جزء منها كافتًا، أي: جامعًا لما يحتوي عليه، "كذلك ضمت شريعته صلى الله عليه وسلم جميع الناس، فلا يسمع به أحد" عاقل، "إلا لزمه الإيمان به" لظهور المعجزات القطعية على يده، الدالة على حقية ما جاء به، وشمل أحد الإنس والجن، ولذا رتب عليه قوله: ومن ثم "لما سمع الجن القرآن يتلى، قالوا: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان، " {وَآمِنُوا بِهِ} [الأحقاف: 31] الآية، فضمت شريعته الإنس والجن" إجماعًا، كما يأتي قريبًا بأدلته، "وعمت رحمته التي أرسل بها العالم" ودليله أنه "قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] الآية" لأن ما بعثت به سبب لإسعادهم، وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم، ورحم الله به الخلق مؤمنهم وكافرهم بالأمن من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال، ومنافقهم بالأمن من القتل وتأخير العذاب.
قال ابن عطية: ويحتمل أن معناه أنه هو رحمة وهدى بين أخذ به من أخذ، وأعرض عنه من أعرض، انتهى، وإليه أشار بقوله: "فمن لم تنله رحمته" من الكفار فلم يؤمن به، "فما ذاك من جهته" صلى الله عليه وسلم، "وإنما ذلك من جهة القابل" حيث طبع الله على قلوبهم، واستحبوا الكفر على الإيمان، أنهما كافي التقليد، وإعراضًا عن النظر الصحيح، فلا ينفذ في قلوبهم الحق، وأسماعهم تنفر منه، ولا يجتلي لأبصارهم الآيات المنصوبة في الآفاق، "فهو كالنور الشمسي أفاض شعاعه

الصفحة 223