كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

وأما قول أهل الموقف لنوح -كما صح في حديث الشفاعة- أنه أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، وعلى تقدير أن يكون مرادًا فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم.
واستدل بعضهم لعموم بعثته: بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة، ولو لم يكن مبعوثًا إليهم لما أهلكوا، لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، وقد ثبت أنه أول الرسل.
وأجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح.
__________
وغفل الداودي الشارح غفلة عظيمة، فقال: قوله: "لم يعطهن أحد قبلي"، يعني: لم تجتمع لأحد قبله، لأن نوحًا بعث إلى الناس كافة.
وأما لأربع فلم يعط أحد واحدة منهن، وكأنه نظر في أول الحديث، وغفل عن آخر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نص على خصوصيته بهذه أيضًا بقوله: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه خاصة"، وفي رواية: "وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة".
"وأما قول أهل الموقف لنوح، كما صح في حديث الشفاعة" عند الشيخين: "أنه أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله" إلى من انحصر فيهم الوجود بعد الطوفان؛ فالأولية منصبة على الإرسال، فلا يلزم منه العموم، وأورد هذا آدم وإدريس على أنه كان قبل نوح، فإن حديث ابن حبان دل على أنهما رسولان، وأجيب: بأن المراد أول رسول بعث إلى الأرض بالإهلاك وإنذار قومه؛ لأن رسالة آدم كانت بمنزلة التربية والإرشاد للأولاد، لأنهم لم يكونوا كفارًا، وكذا رسالة إدريس.
"وعلى تقدير أن يكون مرادًا، فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى" أي ذكره "في عدة آيات؛ على أن إرسال نوح كان إلى قومه"؛ كقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} الآية، "ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم"؛ كما قال لنبينا {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} ، {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} الآية، "واستدل بعضهم لعموم بعثته، بكونه دعا على جميع من في الأرض" بقوله: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} الآية، "فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة" لإيمانهم، "ولو لم يكن مبعوثًا إليهم لما أهلكوا؛ لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} الآية "وقد ثبت أنه أول الرسل، وأجيب بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح" لأنه كان في الزمن الأول إذا

الصفحة 225