كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

من تقدم على ضربين، منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته.
قال بعضهم: أعطي صلى الله عليه وسلم ما يوافق شهوة أمته، لأن النفوس لها التذاذ بها، لكونها حصلت لهم عن غير قهر منهم لتحصيلها وغلبة، فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها في مقابلة ما قاسوه من الشدة والتعب.
ومنها: جعل الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا.
__________
كما نقله الحافظ عن الخطابي، "من تقدم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه" أي: يتصرفوا فيه، وخص الأكل، لأنه أقوى طرق الانتفاع، "وجاءت نار فأحرقته" إلا الذرية، كما استثناها الحافظ، والمراد بها نساء الكفار وصبيانهم وأرقاؤهم ومجانينهم، وقضية ذلك أنها كانت تحرق الحيوانات، ومجيء النار إذا لم يكن فيها غلول ولا خيانة، وإلا بقيت حتى تذريها الرياح؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين: "غزا نبي من الأنبياء" ... الحديث، وفيه: "فجمع الغنائم، فجاءت النار لتأكلها، فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولا" , إلى أن قال: "فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها فجاءت النار فأكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى عجزنا وضعفنا، فأحلها لنا". زاد الحافظ: وقيل: المراد أنه خاص بالتصرف في الغنيمة بصرفها حيث شاء، والأول أصوب، وهو أن من مضى لم تحل لهم الغنائم أصلا.
"قال بعضهم" استئناف بياني، كأنه قيل: ما حكمة ذلك؟ فأجاب بأنه "أعطي صلى الله عليه وسم ما يوافق شهوة أمته؛ لأن النفوس لها التذاذ بها" يعني أن إحلالها له ولأمته، وإن كان تعظيمًا له وإكرامًا، ليس إلى الدنيا، ولا لرغبته فيها لنفسه، بل ذلك توسعة على أمته لاحتياجهم إليها ورغبتهم فيها؛ "لكونها حصلت لهم عن غير قهر منهم لتحصيلها وغلبة" بفتح الغين، أي: قهر، "فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها في مقابلة ما قاسوه" صلة التنعم، أي: يريدون التنعم في نظير ما قاسوه "من الشدة" بالكسر اسم من الاشتداد، "والتعب" عطف لازم على ملزوم، ثم لا يرد على ذلك؛ أن المراد بالغنيمة ما يشمل الفيء، لأن كلا منهما إذا انفرد عم الآخر، والفيء لا يشترط حصوله عن قهر وغلبة، بل يشمل ما انجلوا عنه بلا قتال، وما أهدوه والحرب قائمة وغير ذلك؛ لأن ذلك كله يصدق عليه أنه عن قهر في الجملة، إذ لولا خوفهم ما أهدوا وما جلوا عن شيء يتعلق بهم.
"ومنها: جعل الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا" بفتح الطاء على المشهور؛ كما

الصفحة 229