كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)
وعدد كلمات {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} عشر كلمات، فيتجزأ القرآن على نسبة {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} أزيد من سبعة آلاف جزء، كل واحد منها معجز في نفسه، ثم إعجازه -كما تقدم- بوجهين. بلاغته، وطريق نظمه، فصار في كل جزء من هذا العدد معجزاته فتضاعف العدد من هذا الوجه.
__________
"وعدد كلمات {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} عشر كلمات، فيتجزأ القرآن على نسبة {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} أي: على مقدارها وأتى بنسبة ليشمل آية واحدة وقدرها؛ كما مر، فالنسبة مجاز عن المقدار "أزيد من سبعة آلاف جزء" أي: بسبعمائة جزء وشيء؛ لأن السبعين ألفًا إذا قسمت على العشرة خرج لكل واحد منها سبعة آلاف، وإذا قسمت السبعة آلاف خرج لكل واحد منها سبعمائة فيصير الحاصل أن كل جزء سبعة آلاف وسبعمائة والنيف يختلف الخارج منه بحسب الخلاف فيه، "كل واحد منها معجز في نفسه" أي: بقطع النظر عن غيره "ثم إعجازه" أي القرآن؛ "كما تقدم" من ذكر الاختلاف في قدره "بوجهين" الأول "بلاغته" أي: ما فيه من مراعاة الوجوه التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال فهي من جهة المعنى، "والثاني "طريق نظمه" أي أسلوبه وكونه على نسق لا يشبه غيره من الكلام نظمًا وسجعًا ونثرًا وتناسب كلماته وجملة وإيتاء كل كلمة منه ما تستحقه وتنزيلها في محل لا يليق بها غيره، كما يعرفه من ذاق طعم البلاغة، "فصار في كل جزء من هذا العدد معجزتان" من جهة بلاغته ونظمه، "فتضاعف" ماض من التفاعل أو مضارع من المفاعلة "العدد" أي: عدد معجزته "من هذا الوجه" المشتمل على البلاغة والنظم، قال ابن عطية: الصحيح والذي عليه الجمهور والحذاق في وجه إعجازه أنه بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه وذلك أن الله أحاط بكل شيء علمًا وأحاط بالكلام كله، فإذا تركبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدًا من البشر لا يحيط بذلك فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله فصرفوا عن ذلك. والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط، ولهذا ترى البليغ يفتتح القصيدة أو الخطبة حولا ثم ينظر فيها يتعرفها وهلم جرًا، وكتاب الله سبحانه لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد، ونحن تتبين لنا البلاغة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصرنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق، وجودة القريحة، وإقامة الحجة على العالم بالقرآن؛ لأنهم كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة كما قامت الحجة في معجزة موسى بالسحر، وفي معجزة عيسى بالطب، فكأن السحر انتهى في مدة موسى إلى غايته، وكذا