كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

قال صلى الله عليه وسلم: "مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين". رواه البخاري ومسلم.
__________
النَّبِيِّينَ} ، أي: آخرهم الذي ختمهم أو ختموا به على قراءة عاصم بالفتح، وروى أحمد والترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن أنس مرفوعًا: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي"، وقيل: من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وهو كالوالد لولد ليس له غيره، ولا يقدح نزول عيسى بعده؛ لأنه يكون على دينه مع أن المراد أنه آخر من نبئ، وكذا الخضر والياس على بقائهما إلى آخر الزمان تابعان لأحكام هذه الملة.
قال عليه الصلاة والسلام: "مثلي" مبتدأ "ومثل الأنبياء قبلي" عطف عليه "كمثل رجل" خبره "بنى بيتًا فأحسنه وأكمله" وفي رواية جابر: كرجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها "إلا موضع لبنة" بفتح اللام وكسر الموحدة بعدها نون وبكسر اللام وسكون الموحدة أيضًا قطعة طين تعجن وتعد للبناء من غير إحراق فإذا أحرقت فهي آجرة، "من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به" بالبيت "ويتعجبون له" أي: لأجله، وفي رواية جابر: فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون أي من حسنها، "ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة"؟ وزاد في رواية أحمد: فيتم بنيانك "فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين" ومكمل شرائع الدين، فإن قيل: المشبه به واحد والمشبه جماعة، فكيف صح التشبيه؟ أجيب: فإنه جعل الأنبياء كرجل واحد لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل، وكذا الدار لا تتم إلا باجتماع البنيان، ويحتمل أن يكون من التشبيه التمثيلي وهو أن يؤخذ وصف من أوصاف المشبه ويشبه بمثله من أحوال المشبه به فكأنه شبه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أسست قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع يتم به صلاح ذلك البيت، وزعم ابن العربي: أن اللبنة المشار إليها كانت في أس الدار المذكورة، وأنها لولا وضعها لانقضت تلك الدار، قال: وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور. قال الحافظ: وهذا إن كان منقولا فهو حسن، وإلا فليس بلازم نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها، وقد وقع في رواية مسلم: "إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها" فظهر أن المراد أنها مكملة محسنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها ناقصًا وليس كذلك فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة، فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكاملة، "رواه البخاري" في أحاديث الأنبياء "ومسلم" في الفضائل من حديث أبي هريرة واللفظ له، ومن حديث جابر بنحوه، وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام وفضل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء وأن الله ختم به النبيين وأكمل شرائع الدين.

الصفحة 236