كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

ومنها: أن شرعه مؤبد إلى يوم الدين، وناسخ لجميع شرائع النبيين، وأنه أكثر الأنبياء تابعًا كما قال عليه السلام: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة. رواه الشيخان من حديث أبي هريرة.
ومنها أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه.
__________
"ومنها: أن شرعه مؤبد" بموحدة: باق "إلى يوم الدين" أي: يوم الجزاء ومنه كما تدين تدان، وبيت الحماسة:
ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا
وقيل: الدين الشريعة والطاعة، فالمعنى يوم جزاء الدين وقد تكفل الله لشرعه ببقائه على ممر الدهور حتى ينزل عيسى فيحكم به ثم يضمحل عند قيام الساعة بموت الطائفة الذين لا يزالون قائمين بالحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي الله، أي: ربح لينة تقبض أرواحهم فلا يبقى على الأرض من يقول لا إله إلا الله، فتقوم الساعة؛ كما بين في أحاديث.
"وناسخ لجميع شرائع النبيين" إجماعًا حكاه غير واحد نعم خصه الإمام الرازي بالشرائع السمعية لا العقلية فيمتنع نسخة كمعرفة الباري وطاعته، "وأنه أكثر الأنبياء تابعًا؛ كما قال عليه السلام": "ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". ورجاؤه محقق وقد جزم به في مسلم عن أنس رفعه: "أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة"، وروى البزار: "يأتي معي من أمتي يوم القيامة مثل السيل والليل". وخصها لأنها يوم ظهور ذلك، "رواه الشيخان من حديث أبي هريرة" ورتب قوله: "فأرجو" ... إلخ، على ما تقدم من معجزات القرآن المستمرة لكثرة فائدة وعموم نفعه لاشتماله على الدعوة والحجة والإخبار بما سيكون فعم نفعه من حضر ومن غاب من وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرجاء على ذلك، وهذا قد تحقق فإنه أكثرهم تبعًا ودل الحديث على أن النبي لا بد له من معجزة تقتضي إيمان من شاهدها بصدقه ولا يضره من أصر على المعاندة، وقوله: ما مثله ما موصول وقعت مفعولا ثانيًا لأعطى ومثله مبتدأ وآمن خبره، والمثل يطلق ويراد به عين الشيء وما يساويه والمعنى أن كل نبي أعطي آية أو أكثر من شأن من يشاهدها من البشر أن يؤمن لأجلها وعليه بمعنى اللام أو الباء ونكتة التعبير بها تضمنها معنى الغلبة، أي: يؤمن بذلك مغلوبًا عليه بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه لكن قد يخذل فيعاند؛ كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} ، وقوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحيًا"، أي: القرآن، المراد النوع المختص به أو أعظمها وأفيدها لا حصر معجزاته فيه؛ لأنها لم تنحصر فيه أو أنه لا مثل له لا صورة ولا حقيقة بخلاف غيره من المعجزات، فلا يخلو عن مثل، وقيل غير ذلك؛ كما بسطه في الفتح.
"ومنها: أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه" لقوله صلى الله عليه وسلم: "لو كان موسى حيًا

الصفحة 237