كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 7)

كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
ومنها أنه أرسل إلى الجن.
__________
ما وسعه إلا اتباعي"، رواه أبو نعيم وغيره، "كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى" في المقصد السادس، وسبقت الإشارة إليه في ذا المقصد والمقصد الأول.
"ومنها: أنه أرسل إلى الجن" وهم كما قال الحافظ عن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي: أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة يجوز. أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة خلافًا لدعوى المعتزلة أنها رقيقة وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها، وهو مردود بأن الرقة لا تمنع الرؤية، ويجوز أن يخفي عن رؤيتنا بعض الأجساد الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها. وروى البيهقي عن الشافعي: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته إلا أن يكون نبيًا، وهو محمول على من ادعى رؤيتهم على صورهم التي خلقوا عليها. وأما من ادعى أنه يرى شيئًا منهم بعد أن يتصور على صورة شيء من الحيوان، فلا يقدح فيه وقد تواترت الأخبار بتطورهم في الصور، واختلف المتكلمون هل هو تخيل فقط ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية، أو ينتقلون لكن لا اقتدار لهم على ذلك بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل كالسحر، وهذا قد يرجع إلى الأول. قال ابن عبد البر: الجن عند الجماعة مكلفون، قال عبد الجبار: لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في ذلك إلا ما حكي عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم وليسوا مكلفين. قال: والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم وما أعد لهم من العذاب، وهذه الخصال إنما تكون لمن خالف الأمر وارتكب النه مع تمكنه من أن لا يفعل والآيات والأخبار الدالة على ذلك كثيرة جدًا، وإذا تقرر تكليفهم فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الإسلام. وأما ما عداه من الفروع ففيه خلاف، لما ثبت أن الروث والعظم زاد الجن، وفي رواية في الصحيح: أنهما طعام الجن، فدل على جواز تناولهم الروث وهو حرام على الإنس؛ كذا في فتح الباري ولا دليل في حديث الروث، لأنه علف دوابهم، كما في الصحيح. وقد نقل ابن عطية وغيره الإجماع على أن الجن متعبدون بهذه الشريعة، فإن قيل: لو كانت الأحكام بجملتها لازمة لهم لترددوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى يتعلموها مع أنهم إنما اجتمعوا به قليلا، أجيب بأنه لا يلزم من عدم اجتماعهم به وحضورهم مجلسه وسماعهم كلامه أن لا يعلموا الأحكام فإن في الآثار والأخبار أن مؤمنيهم يصلون، ويصومون، ويحجون، ويطوفون، ويقرءون القرآن، ويتعلمون العلوم ويأخذونها عن الإنس، ويروون عنهم الأحاديث، وإن لم يشعروا بهم وبأنه يمكن اجتماعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يراهم المؤمنين، ويكون هو يراهم دون أصحابه بقوة يعطيها الله له زائد عن قوة أصحابه، ثم لا خلاف أنهم يعاقبون على المعاصي.

الصفحة 238